2018-06-29

صفقة (العقد).. وما أدراك ما هي؟!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

منذ البداية لم ترق لي التسمية "صفقة القرن" التي يتواتر الحديث عنها منذ عدة شهور، فالقرن ما زال في بدايته، وقد نرى المزيد من الصفقات في أجندة الإدارة الأمريكية الحالية، والإدارات القادمة، وحتى نهاية القرن، لكن على ما يبدو فإن هذا النوع من الصفقات (أو الاتفاقيات)  التي تتعلق بالخريطة الإقليمية لدول المنطقة غالبًا ما يتم التوصل إليه في بداية القرن ويظل تأثيره مستمرًا حتى نهايته، وهو ما أمكن ملاحظته في اتفاقية "سايكس بيكو" والوعد المشؤوم  شديد الصلة الذي أتبعها بفترة ضئيلة (وعد بلفور). وسواءً أكانت التسمية "صفقة العقد"، أم "صفقة القرن"، فإنه لا مفر من الحديث عنها، بعد أن أصبحت "حديث المدينة"، والمدينة هنا، أي مدينة عربية في عالمنا العربي الممزق، والذي تكالبت عليه قوى الشر من كل صوب، مما أفقده البوصلة في تلمسه لطريق الخلاص.

والحقيقة انني فضلت عدم الكتابة في هذا الموضوع حتى الآن لعدة أسباب، أولاً لحساسيته البالغة، ثم لأنه لم يجر الإعلان عن الصفقة بشكل علني إلى هذا الوقت، لكن ما تم الكشف عنه حتى الآن، من خلال بعض التسريبات، يجعلنا نلم ببعض أساسيات هذه الصفقة، وأبرز هذه الأساسيات اعتبار أبو ديس عاصمة الدولة الفلسطينية (المقترحة)، وأيضًا إجراء تبادل في الأراضي، وكلا هذين البندين الأساسيين في الصفقة – وبعيدًا عن التفصيلات - ليس جديدًا. لكن ما يدعو إلى التخوف أن (الصفقة) تعتبر في تعريفها، صيغة لعملية سلام نهائية ودائمة بين إسرائيل والفلسطينيين. وأما ما يدعو إلى السخرية، فهو أن من يشرف على هذه العملية سواء كبير مستشاري الرئيس ترامب جاريد كوشنر أومبعوث الرئيس ترامب جرينبلات، أوسفير واشنطن لدى (القدس) دافيد فريدمان، أورئيس الوزراء الاإسرائيلي بنيامين نتنياهو دافيد فريدمان أربعتهم يهود  مؤيدين للاحتلال.  وتكمن خطورة هذه الصفقة  في انه لو تم إقرارها، وترجمتها عمليًا على أرض الواقع، فإن ذلك سيعني نسف كافة المبادرات والمرجعيات والقرارات الخاصة بالقضية الفلسطينية بدءًا من قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947.

بالطبع هناك جانبًا من الخيال أطلقه البعض في الحديث عن (الصفقة)، لكنه يدخل في إطار (اللامعقول)، كالقول بأن الدولة الفلسطينية المقترحة ستضم ثلث مساحة سيناء، أو القول بأن تلك الدولة ستحل محل الأردن، وأنه سيجري تسديد ديون لبنان في مقابل توطين اللاجئين الفلسطينيين فيه. هذا كله ضرب من الخيال ولا يمكن أن يتحقق بأي شكل من الأشكال، لسبب واحد هو أنه لا الفلسطينيين، ولا المصريين، ولا اللبنانيين ولا الأردنيين، يمكن أن يفرطوا بشبر واحد من أراضيهم، ولا حتى ب ذرة تراب واحدة من تلك الأرض. وحتى لو تضمنت الصفقة شيئًا من ذلك، فإن تحقيقه يصبح من رابع المستحيلات.

ويبقى القول إن فرض أمر واقع يصطدم بإرادة الشعوب غالبًا ما ينتهي بالفشل الذريع.

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com