2018-06-28

معادلة الفرزدق بين عدالة القضية الفلسطينية ومصالح روسيا و"صفقة القرن"..!


بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

تقتصر "صفقة القرن" في مضمونها على إنهاء لب الصراع العربي الاسرائيلي؛ ألا وهي القضية الفلسطينية، ولكن أبعاد تلك الصفقة بالتأكيد تشمل العالم بأسره نظرا لأن منطقة الشرق الأوسط هي تاريخيا المحرك السياسي للعالم كونها تحوى المخزون العقائدي له وكذلك مخزون الطاقة العالمي في أراضيها، وعليه فإن "صفقة القرن" لن تمر دون إشراك القوى العظمى إن لم يكن في رسم معالمها فليس أقل من جني مكاسب من تمريرها، ونظرا لطبيعة الصفقة الشاذ والمشبوه من منظور محايد كمنظور الأمم المتحدة التي أقرت آلية مختلفة تماما لحل الصراع؛ فمن البديهي أن تجد الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة لتقديم تنازلات لتلك القوة لتمرير صفقة من هذا القبيل ومنحها تأشيرة المرور.

ان ملف التسوية للصراع العربي الإسرائيلي، والفلسطيني الإسرائيلي تحديدا، هو ضمن ملفات الصراعات الدولية التي تحتكر الولايات المتحدة إدارته منذ قرابة النصف قرن بحكم وقوع الصراع في منطقة خاضعة لنفوذها السياسي والعسكري؛ وضمن خارطة المصالح الاستراتيجية الإمبراطورية للقوى الكبرى، وبرغم محاولات قوى إمبراطورية أخرى مثل روسيا تلمس موطئ قدم لها في المنطقة إلا أن ميزان القوى الامبراطورية المائل لصالح الولايات المتحدة لا زال بمقدوره الحد من طموحات تلك القوى وإبقاءها في أدنى حدوده. فالسياسة الدولية محكومة بموازين القوى على الأرض وطبقا لمصالح أصحاب تلك القوى ترسم السياسات بعيدا عن منطق العدل والأخلاق.

ومن هذا المنطلق فإن تمرير "صفقة القرن" وحصولها على تأشيرة المرور دوليا لن يكون ممكنا إلا بموافقة تلك القوى؛ وخاصة ذات الصلة منها، وفي ظل إصرار الإدارة الأمريكية الحالية على تمرير صفقتها المشبوهة سيكون عليها تقديم تنازلات مستحقة لتلك القوى الدولية ذات الصلة، ولكن تلك التنازلات محددة بموازين القوة القائم على الأرض، وأول تلك القوى هي روسيا الاتحادية والتي استعادت موطئ قدم لها في سوريا، والتي هي أحد أطراف الصراع العربي مع إسرائيل والتي تستهدف الصفقة إنهائه.

والسؤال الذي يدور في الأذهان ما هي التنازلات التي قدمتها الولايات المتحدة والتي ستقدمها مستقبلا لروسيا نظير تمرير الصفقة طبقا لموازين القوة سالفة الذكر؛ وأي تنازلات من هذا النوع من البديهي أن تكون في أزمة الملف النووي الإيراني وفي سوريا وسوريا فقط؛ والتي تظهر الأحداث المتلاحقة فيها خلال العام الماضي والحالي كيف تقلص الدور الأمريكي ودور حلفائه في الأزمة السورية وكيف تفردت روسيا بإدارة الأزمة السورية بعيدا عن الأمم المتحدة وعن كل اللاعبين الدوليين والإقليميين؛ وكيف استطاعت فرض نظام الرئيس السوري مجددا على الجميع بتنسيق واضح مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الثلاث الوازنة في المنطقة الممثلة في إسرائيل وتركيا وايران؛ وكيف حولت حالة الصدام مع تركيا إلى علاقة تحالف دافئ؛ وكيف استثمرت ذلك في تعزبز نفوذها العسكري في الشمال السوري، وكيف استطاعت نزع فتيل المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل في هضبة الجولان، وكيف استثمرت ذلك في تقليص النفوذ العسكري لحليفتها إيران نحو تعزيز نفوذها العسكري في سوريا وتعميق دورها ونفوذها السياسي إقليميا ودوليا على اعتبارها المايسترو الدبلوماسي القادرعلى موائمة وجهات نظر الفرقاء والخروج بحلول توافقية.

واستمراراً لهذا الدور الروسي الجديد والمتنامي تأتي دعوة الرئيس بوتن لكلا من الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الاسرائيلي لحضور مباراة نهائي كأس العالم؛ وفي ذات السياق اتت دعوة وفد من المكتب السياسي لحركة "حماس" لزيارة موسكو مطلع الأسبوع الحالي، وفي المقابل على الجميع وخاصة نحن الفلسطينيون أن لا نرى جانبا من الصورة ونتجاهل  الصورة البانورامية للجغرافيا السياسية الدولية والإقليمية؛ والتي تشي بوضوح إلى محدودية الدور الروسي في التأثير في الملف الفلسطيني؛ وأن هذه المحدودية لن تسمح لروسيا إلا بلعب دور المايسترو الدبلوماسي؛ والذي ستكون مهمته إقناع الجميع وخاصة نحن الفلسطينيون أنه ليس في الإمكان أفضل مما كان أو ما سيكون، أما الدور الروسي الحقيقي والفاعل فسيأتي لاحقا عندما يفتح ملف الوضع النهائي لهضبة الجولان بعد تمرير "صفقة القرن" وتوقيع اتفاق الحل النهائي للأزمة السورية؛ والتي بات ملفها بحوزة الروس ضمن ترتيبات النفوذ والمصالح  للقوى العظمى.

ان العالم بأسره يدرك حجم الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني منذ ما يزيد عن سبعين عام، ويدرك أن صفقة ترامب التي بدأت بإعطاء القدس بشطريها لإسرائيل على طبق من ذهب هي إمعان في هذا الظلم وتكريس له، والعرب والعجم يدركون حجم عدالة القضية الفلسطينية وأن تصفيتها بصفقة كتلك يجعل من العالم مكانا أقل أخلاقية وأكثر ظلما وقهر؛ وما قرارات الجمعية العامة الأخير والتصريحات الدولية والعربية عن رفض الخطوات الأمريكية الممهدة للصفقة إلا خير دليل على ذلك.

ولكن واقع الحال هو كما رواه الفرزدق للحسين عندما التقاه في الطريق إلى الكوفة؛ وقد كان الفرزدق قد غادرها لتوه فسأله الحسين عن أوضاعها فرسم الفرزدق له المعادلة الحقيقة بين الواقع والأمنيات؛ وبين الأقوال والأفعال والتي تجاهلها الإمام الحسين رضى الله عنه عندما واصل المسير لاحقا الى الكوفة؛ فقال الفرزدق للحسين (إن قلوب القوم معك لكن سيوفهم مع بني أمية وما النصر إلا من عند الله)، وهذا هو حالنا اليوم إن قلوب العجم والعرب معنا نحن الفلسطينيين لكن مصالحهم مع السيد ترامب ويبقى النصر من عند الله..!

* أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية. - political2009@outlook.com