2018-06-27

رفقا بحقوق عمال فلسطين..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

بعيدا عن الموضوعات السياسية، يغدو الموضوع الإجتماعي للعمال الفلسطينيين –ذكورا وإناثا- وبخاصة حقوقهم المهدورة أمرا جللا يستحق الإثارة والإبراز، حيث لا يجب أن يغطي الموضوع السياسي المتجمد على الموضوع الإجتماعي الساخن.

دعونا نقرر ابتداء، أن هناك في فلسطين بشقيها الضفة الغربية وقطاع غزة، قانون عمل جديد ساهم فيه جهد نقابات العمال والقانونيين الفلسطينيين ومنظمة العمل الدولية، وقد أقره المجلس التشريعي في عام 2000 وأصدره الرئيس للعمل به اعتبارا من 25/11/2001. وبذا تم توحيد تشريع العمل المطبق في فلسطين بعد أن كان غير متسق ومتضاربلتطبيقات  في نصوصه وتطبيقاته. ولست في معرض تقييم هذا القانون عبر هذا المقال، فمكان ذلك المؤتمرات والندوات وورشات العمل المتخصصة.

كذلك يجب أن نقرر بما يخالف المألوف وبما يتداوله السوقة، أن العامل هو الشخص ذكرا كان أو أنثى يعمل عند الغير مقابل اجر أي مال نقدي أو عيني، سواء أكان عمله نشاطا جسديا أو نشاطا عقليا أو الأمرين معا. فسواء عمل الشخص في كسارة أو في رصف شارع أو في جمع القمامة أو في الحسابات في بنك أو محاضرا في جامعة أو مهندسا في شركة، كل هؤلاء ينطبق عليهم وصف العمل وهم عمال بالمعنى القانوني الدقيق وينطبق عليهم قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000. ببساطة لا يهم المركز الإجتماعي للعامل بل أنه يقدم عملا عند الغير ويتقاضى أجرا مقابل ذلك. وقطعا يستثنى من مفهوم العامل ولا ينطبق عليه قانون العمل "الموظف" أي الذي يعمل عند الحكومة في مسمى الوظيفة العمومية.

قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000 يقدم حلا معقولا ولا نقول أمثلا، لقضايا العمال ونزاعاتهم وإن طمح الكثيرون من العمال بمزيد من هذه الحقوق. وقد عارض أصحاب رأس المال الفلسطيني هذا القانون منذ نشأته وعطلوا إصداره وسعوا إلى تجميده معللين ذلك أن هذا القانون سيؤدي إلى إفلاسهم أو انهيارهم ماليا. وقد حاولوا منع إصدار هذا القانون أيام الرئيس أبوعمار ونجحوا مؤقتا بحيث تأخر إصداره ونشره، فهذا القانون بقي قابعا في أدراج الرئيس عرفات لأكثر من عام ونصف بعد موافقة وإقرار المجل التشريعي له في الثلاثين من آذار من عام 2000. ولم يفرج عنه إلا في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبرعام 2000 حيث نشر في الوقائع الفلسطينية ليعمل به بعد شهر من نشره في الجريدة الرسمية.

الناظروالفاحص لتطبيقات هذا القانون سواء على الصعيد الإجتماعي أو القضائي أو الوزاري أو النقابي يتحقق أن النصوص القانونية جميلة رغم عدم اكتمالها، وتأخذ بالألباب، لكنها على الصعيد العملي التطبيقي بطيئة مملة كسولة بل أحيانا نازعة ناكرة للحقوق الإنسانية الأساسية. فلا يوجد مؤسسة فلسطينية، مهما كان اسمها، وأيا كان موقعها، وأيا كان عملها، تطبق هذا القانون بشكل تام ووفق ما قرره المشرع الفلسطيني. ولكنهم جميعا يقومون بلّي نصوص قانون العمل الفلسطيني لمصلحة المشغّل أي صاحب العمل وبالتالي تستلب حقوق العمال بغض النظر عن صفتهم وموقعهم وعملهم وثقافتهم. وبالقطع هذا التطبيق غير التام تعتبره المؤسسات الفلسطينية على اختلاف مسمياتها تطبيقا تاما لأنها تعتبر نفسها المفسر الوحيد لقانون العمل الفلسطيني بل الأمينة الوحيدة على حقوق العاملين فيها ولا تقبل نقاشا في هذا الموضوع.

فلم تعد حقوق العمال تناقش لدى محكمة مختصة عمالية وإجراءاتها سريعة كبقية المواطنين كما كانت في القانون القديم، بل تنطبق عليها الإجراءات العادية مما أدى إلى أن كثيرا من العمال يستوفون حقوقهم بعد ردح طويل من الزمن. وهذا الأمر يناقض روح الحقوق العمالية المستعجلة، وفلسفة قانون العمل المحابية للعمال، فحقوق العامل لا تستطيع الإنتظار أو المساومة او التأجيل فهي حقوق ارتبطت بها حياة العامل وإوده وتقيم ضرورياته وليس لها بديلا في حياته. ببساطة للأسف الشديد يأخذ العامل حقوقه بعد خمس سنوات على الأقل وخلال هذه الرحلة تتعرض حقوقه للمساومة والتحريف والنقصان والمفاوضة.

ولم تستطع النقابات أن تكون بديلا للمنازعات القضائية لحلها، ولم يقبل اصحاب العمل إلا ان يطيلوا الإجراءات حتى يقاسي العامل من أجل نيل حقوقه الطبيعية مثل ألأجر. فرغم الحماية القانونية لمفهوم الأجر إلا أنها تبدو هشة وخالية من أية حماية فعلية بل تفتقر للحماية عكس قوانين دول أخرى مجاورة. فإذا كان أجر العامل وتأمينه ومكافئاته ليست لها حماية فعلية قانونية، ولم تقدم النقابات المشغولة في همومها الذاتية أن تكون بديلا فعالا للقضاء، وتسوية الحقوق العمالية.

أما الحقوق العمالية الفلسطينية سواء من يعمل في المستوطنات الإسرائيلية أو في داخل إسرائيل وبخاصة في البناء، فكلها قضايا كبيرة تعالج بالفطرة وبالعاطفة وبدون خطة للأسف الشديد. وغالبا ما يدفع العامل الفلسطيني المحتاج والساعي وراء قوت يومه ثمنا غاليا قد يصل إلى التضحية بحياته لإطعام عائلته. وحدث ولا حرج عن سوق النخاسة والمقاولة في سوق العمل الفلسطيني ومقتطعات ضائعة ومستردات مفقودة وسمسرات عصابات ومحامون سالبون للحقوق، ولا أحد يتحرك وإن تحركوا فيتحركون على استحياء أو في مناسبة محددة. ويبدو لي أن منظمة العمل الدولية عبر وفود خاصة بها، حاولت الإقتراب من الموضوع، لكنها رأت عدم إمكان معالجته بفعالية وآثرت الإبتعاد.

أما وزارة العمل الفلسطينية فهي تحاول ضمن إمكانياتها المحدودة وموازناتها المقيدة. ولكنها لا تستطيع تغطية النشاط العمالي في الضفة وفي القطاع وبالقطع ما يجري بالداخل. فالنشاط العمالي هو أكبر نشاط إنساني اجتماعي عددا، والتفتيش عليه أو إخضاعه للفحص، يقتضي جهدا ومالا ورجالا وعقولا. وللأسف حتى الفكر السائد في وزارة العمل لا يؤيد الحقوق العمالية في فلسطين بل تراه أحيانا مساندا لفكر أصحاب العمل.

العمل ظاهرة إنسانية تستحق الرعاية والإهتمام ولم تعد سلعة في سوق العرض والطلب، بل غدا سلاحا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يقوم عليه تقدم الأمم ورفعتها وازدهارها. والعامل الفلسطيني يستحق نيل حقوقه القانونية كاملة وبسرعة كافية والتوقف عن سلبها وبخاصة عند النساء فالروح تواقة لكن الجسد ضعيف..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com