2018-06-27

إحتفال روسيا باليوم الوطني  في "الإمبسادور" لماذا كل هذا التحريض..؟


بقلم: راسم عبيدات

يوم الإثنين 18/6/2018، أقامت جمعية الصداقة الفلسطينية – الروسية حفل عشاء في فندق "الإمبسادور" بمناسبة اليوم الوطني لروسيا الإتحادية تحت رعاية سفارة روسيا الإتحادية، كما ورد في نص الدعوة، وبحضور الممثل الأعلى لروسيا الإتحادية لدى السلطة الفلسطينية د. حيدر أغانين، وطيف واسع من الشخصيات الوطنية السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وقبل إقتحام هذا الحفل من قبل شرطة الاحتلال ومخابراتها، اكد الدكتور أغانين في كلمته "على عمق العلاقة والصداقة بين الشعبين الروسي والفلسطيني، وبأن روسيا تعترف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية". وقبل أن يكمل د. نبيل شعث المفوض الأعلى لجمعية الصداقة الفلسطينية-الروسية كلمته، داهمت قوات الاحتلال وأجهزة مخابراتها الحفل، واعتقلت ست شخصيات مقدسية للتحقيق معها في مقرها بـ"المسكوبية" في القدس. وبعد أن اطلقت سراحها اعادت اعتقال الكاتب الصحفي راسم عبيدات وعضو جمعية الصداقة الفلسطينية – الروسية عنان بركات، ولتطلق سراحهما يوم الإثنين الماضي بشروط قاسية، ولتستدعي عدد كبير من الشخصيات المقدسية التي شاركت في الإحتفال للتحقيق أيضاً في "المسكوبية".

وأثناء إقتحام ومداهمة شرطة الاحتلال وأجهزة مخابراتها للحفل علقت قراراً يمنع استمرار الحفل تحت الذريعة الدائمة لمنع أي فعالية او نشاط شعبي او جماهيري أو مؤسساتي مقدسي في المدينة بأنه يقام تحت رعاية السلطة الفلسطينية ومنظمات "إرهابية" الجبهتين الشعبية والديمقراطية، ومنعت الدكتور شعث من إكمال كلمته، وبغض النظر عن كون تبريرات وذرائع  وحجج الاحتلال الكاذبة والخادعة والملفقة والتي تعتبر شكل من أشكال البلطجة والتعدي على حق المقدسيين بإقامة الأنشطة والفعاليات ذات الطابع الشعبي والجماهيري والمؤسساتي في قدسهم، ولكن هذا المنع لهذا الإحتفال والضجة الكبيرة وعمليات التحريض الواسعة التي قادتها أجهزة مخابراتها ووزير أمنها الداخلي "جلعاد أردان" حول من اعتقلتهم واستدعتهم للتحقيق من المشاركين في هذا الحفل، يؤشر بشكل واضح الى ان دولة الاحتلال، تريد أن تستثمر سياسياً نتائج القرارين الأمريكيين بإعتبار القدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأمريكية من تل ابيب الى القدس، لكي تؤكد سيادتها على المدينة وبأنها "العاصمة" الأبدية لدولتها.

ولذلك نظرت الى هذا الإحتفال  من زاوية ليس أنه حفل في مدينة القدس ويحتاج الى تصريح من أجهزتها الأمنية فقط، بل وجدت في إقامة مثل هذا الحفل، مساً لسيادتها على المدينة المقدسة، والسماح بإقامة مثل هذا الحفل قد يفتح الطريق لبعثات دبلوماسية أخرى تعترف بالقدس الشرقية بأنها مدينة محتلة وفق القانون الدولي لإقامة أيامها الوطنية وإحتفالاتها في قاعات ومباني فلسطينية غير أبنيتها،بمشاركة فلسطينية، وبما يعبر عن موقفها بأنها تعترف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطيني، في تحد ورفض واضحين للقرار الأمريكي بأن القدس عاصمة لدولة الاحتلال.

وكذلك فإنني أرى أنّ منع الاحتفال يأتي في سياق مخطط إسرائيلي شامل لفرض السيادة المطلقة على مدينة القدس، ومنع المقدسيين من أيّ نشاط أو فعالية، حتى لو كانت على شكل عشاء للصحافيين أو وجبة إفطار رمضانية كما حصل في منع الإفطار الرمضاني الذي أقامته الغرفة التجارية المقدسية للصحافيين في القدس، فندق "الجروسلم"، ومنع حفل وبطولة رياضية كونها تحمل اسم الشهيد أبو جهاد وغيرها، ولربما في المستقبل تحتاج حفلة خطوبة أو عرس  إلى إذن وترخيص من أجهزة مخابرات الاحتلال وشرطته.

وهناك أهداف أخرى لهذا السياسة إسرائيلية العدوانية تجاه المقدسيين تتعدى حدود التأكيد السيادة والسيطرة على المدينة المحتلة، تتمثل في كسر إرادة المقدسيين وتحطيم معنوياتهم، وإجبارهم للحصول على ترخيص لأيّ نشاط أو فعالية يقيمونها في القدس، في اعتراف منهم بسيادة الاحتلال على قدسهم المحتلة، وكذلك بث الرعب والخوف عند أصحاب المطاعم والقاعات والفنادق من عدم تأجير القاعات لأيّ نشاط ذي طابع شعبي وجماهيري أو سياسي، عبر التهديد بإغلاق المؤسسة أو الفندق أو فرض إجراءات وقيود مشددة على أصحابها، اعتقال وغرامات ومضايقات.

صحيح بأن ما يجري وما يتخذ من إجراءات قمعية وتنكيلية بحق المقدسيين والشخصيات والمؤسسات المقدسية من قبل الاحتلال واجهزته الأمنية والشرطية والمدنية، وصل مرحلة "السُعار" و"التغول" و"التوحش"، ولكن هذا أيضاً  تعبير عن إفلاس أخلاقي وسياسي لدولة يمينية متطرفة، وتعدٍ صارخ وخروج على القانون الدولي ومواثيقه واتفاقياته وقرارته، ويعكس حالة من الهوس والخوف  والرعب تعيشها دولة الاحتلال، رغم كل الطغيان وجبروت القوة والعنجهية والغطرسة التي تمتلكها.

في المقابل، وفي ظل هذا الهجوم الشامل على المقدسيين وإستهدافهم حتى في تفاصيل حياتهم وهمومهم اليومية نجد غيابا ًواضحاً للبرنامج والرؤيا والإستراتيجية والأليات الفلسطينية والمقدسية لكيفية التصدي لهذا التصعيد الإسرائيلي الخطير وغير المسبوق  وكيفية مجابهته.

وعن الموقف الروسي مما جرى، فأنا هنا لست في إطار الدفاع عن الروس، خصوصاً أنّ جمعية الصداقة الفلسطينية - الروسية هي التي نظمت الاحتفال وليست السفارة، وهي التي دعت الممثل الأعلى لروسيا الإتحادية، وجمعية  الصداقة لا تتمتع بالحصانة والحماية كمنظمة غير حكومية، لكنّ هذا لا يعني أنّه ليس مطلوباً من روسيا التي أكد سفيرها لدى السلطة حيدر أغانين أنّها تعترف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، أن تصدر بياناً حاداً يدين بشكل واضح تعدي مخابرات الاحتلال وشرطته على هذا الحفل والذي بالرغم من أنّه ليس حفل السفارة، لكنّه يشكل تعدياً على هيبة روسيا الاتحادية، وكان عليها أن تصدر موقفاً قوياً يدين ويحذر إسرائيل من الاستخفاف بالقانون الدولي والخروج عليه، فالقدس عاصمة محتلة وفق القانون الدولي.

إنّ ما يجري من استهداف للأنشطة والفعاليات الفنية والثقافية والاجتماعية والرياضية في المدينة المقدسة، يمثل الوجه الأكثر بشاعة للاحتلال، الذي يقول مسؤولوه انّ الأمر بات يتعلق بما يسمونه "السيادة المطلقة" على القدس، وإنّ ما يحاول الفلسطينيون القيام به ينتهك هذه السيادة، متذرعين بما يسمى "اتفاق إعلان الوسط" بشأن الضفة الغربية الذي يحظر على السلطة الفلسطينية القيام بأيّ نشاط في القدس أو داخل حدود دولة الاحتلال من دون إذن أو ترخيص من سلطاته.

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com