2018-06-24

نكتة القرار الفلسطيني المستقل..!


بقلم: ناجح شاهين

بالطبع نحن لا نكتب هنا في سياق "العلوم السياسية" كما ترسمها دوائر علوم السياسة في برنستون وستانفورد وبيركلي وهارفارد ..الخ باختصار لا يمكن الحديث هنا عن "قيمة مضافة" لهذا المقال. لكنه قد يشكل إضافة لبعض العرب والفلسطينيين الطيبين الذين يتحدثون في السياسة بالسهولة ذاتها التي يناقشون بها كرة القدم.

ترى كم دولة في العالم تتمتع بالقرار المستقل؟ وكيف يكون القرار مستقلاً؟

بتبسيط تام نذكر بأن الاستقلال يعني السيادة الكاملة للدولة على الإقليم والسكان. لكنه يعني أيضاً القدرة على الدفاع عن ذلك الإقليم مثلما يعني الموارد الاقتصادية اللازمة لتحمي الدولة من الابتزاز أو التهديد، لأن التهديد قد يكون عسكرياً وقد يكون اقتصادياً وقد يكون خليطاً منهما.

الآن يمكن أن نسأل عن عدد الدول المستقلة في قرارها؟ مثلاً، هل يمكن القول إن القرار الإيراني قرار مستقل؟

بالطبع لا، إذ لو كان القرار متروكاً لقيادة الدولة والشعب الإيراني لمضت بعيداً باتجاه إنتاج السلاح النووي الضروري لحماية الوطن وردع الأعداء. لكن الدولة الإيرانية اضطرت أمام التهديد الأمريكي/الأوروبي إلى توقيع اتفاق يحظر عليها امتلاك السلاح النووي ما لبث الأمريكي أن نقضه مطالباً إيران بوقف إنتاج الصواريخ...الخ باختصار المزيد من الابتزاز.

هل القرار الكوري الشمالي أو الجنوبي مستقل؟
بالنسبة للثاني الجواب متاح بسهولة، ويتمثل في وجود القوات الأمريكية التي تسيطر على الأرض الكورية بغرض "حمايتها". أما كوريا الشمالية فبعد النجاح المذهل في الوصول إلى السلاح الهيدروجيني ناهيك عن النووي، تحاول اليوم وربما بتأثير الضغوط الصينية، أن تتفاوض عليه من أجل أن تحسن فرصها في إطعام شعبها. وهذا مثال مباشر على أهمية الاستقلال الاقتصادي من أجل استقلال القرار.

فهل يمكن الزعم بأن كندا دولة مستقلة من ناحية القرار؟
كان أساتذتي في دائرة العلوم السياسية وزملائي الأمريكان يبتسمون عندما يذكرون أن كندا دولة مستقلة، أو أن ألمانيا أو إنجلترا دولتان مستقلتان. ألا يصرخ دونالد ترامب كل يوم بأن على ألمانيا وفرنسا واليابان أن تدفع المال لأمريكا نظير حمايتها من التهديد الروسي الحقيقي أو الموهوم؟ كيف يمكن أن يكون قرارك مستقلاً وأنت تحت رحمة التهديد الروسي أو الحماية الأمريكية؟

ربما يستطيع أحدنا أن يفكر في أمثلة قليلة على البلدان المستقلة، ومن ذلك الصين: يفرض ترامب على البضائع المستوردة منها رسوماً بخمسين ملياراً، فترد الصين بفرض ضرائب على البضاعة المستوردة من أمريكا بالقيمة نفسها. ولا يستطيع أحد أن يهدد أمنها القومي عسكرياً أو سياسياً على أي نحو.

بالطبع الولايات المتحدة بلد مستقل، وكذلك روسيا، لكن يصعب بعد ذلك التفكير في أمثلة حاسمة على بلاد تمتلك قراراها السيادي بالفعل.

نقول ذلك كله بهذا الشكل المبسط لأن بعض العرب والفلسطينيين يمكن أن يتوهم أن سوريا مستقلة من ناحية القرار أو الأردن أو قطر، ناهيك عن السلطة الفلسطينية.

إن سوريا تقاتل برمش العين منذ سبع سنوات دفاعاً عن استقلالها وسيادتها. لكن أحداً في سوريا لن يستطيع أن يزعم بأن القرار السوري مستقل عن "الإرشاد" الروسي والإيراني، ناهيك عن الابتزاز الأمريكي والخليجي والإسرائيلي والتركي.

هل نحتاج بعد هذا إلى تذكير إخوتنا وأخواتنا في فلسطين بأن من العبث التام التفكير في استقلال القرار الفلسطيني؟
هل نحتاج إلى تذكيرهم بأن القرار بالانتقال من مدينة في  الضفة إلى مدينة أخرى بالنسبة للرئيس أو رئيس الوزراء ..الخ يحتاج إلى تنسيق وموافقة إسرائيلية؟
هل نحتاج إلى تذكيرهم بأن إسرائيل تستطيع في لحظة واحدة أن تحرمنا من الماء والكهرباء والغذاء والدواء؟

بالطبع لا داعي لقول أي شيء عن السيطرة الإسرائيلية العكسرية/الأمنية على كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر. لكن كيف أكون في مرمى البندقية الإسرائيلية متاحاً للقتل أو الاعتقال أو الإبعاد ثم أكون صاحب قرار مستقل؟

القرار الفلسطيني بداهة ليس مستقلاً في رام الله ولا غزة ولا غيرها، وهو لن يكون مستقلاً اليوم أو غداً إلا بدحر الاحتلال نهائياً، بل إنه لن يكون مستقلاً أبداً إلا بتفكيك الكيان الصهيوني، وإزالة الدولة العبرية من الوجود.

هناك قرار واحد ما بين البحر والنهر كما يوضح لنا قادة الصهيونية بين حين وآخر، وهذا القرار في اللحظة الراهنة هو القرار "الإسرائيلي" بكل تأكيد. لا نقول ذلك من أجل المناكفة ولا الإحباط، ولكن من أجل توضيح أن تحول فلسطين إلى دولة مستقلة صاحبة قرار مستقل هو طموح الشعب الفلسطيني الذي يناضل من  أجله، والذي يحتاج إلى تضحيات جسام من شعب فلسطين وشعوب الأمة العربية وخصوصاً في المشرق المكون من مصر والشام والعراق.

في انتظار ذلك تظل "الإدارة الذاتية" للسكان التي تمنحها إيانا إسرائيل تابعة لها مهما صرخ بعضنا، فمن يملك البر والبحر والجو يملك السيادة والقرار، مهما خلق  البعض من أوهام في المهرجانات ووسائل الإعلام.

حاشية: قد لا يكون في إمكان فلسطين أو لبنان أو قطر...الخ مهما فعلت أن تصبح دولة مستقلة في هذا العالم الذي يحتوي دولاً بحجم القارات من قبيل الولايات المتحدة والصين. وقد يكون الأمل الوحيد لامتلاكنا في هذه المنطقة صفة الاستقلال الكامل، هو بناء دولة عربية واحدة أو على الأقل دولة عربية مشرقية تتكون من الشام والعرق ومصر في الحد الأدنى.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com