2018-06-23

صباح الخير يا جمال..!


بقلم: حمدي فراج

"صباح الخير يا جمال"، لن يحول موتك ان اوجهها لك في القبر، لأنك كنت تعرف ان الموت لا يستطيع احتواء الحياة.. لا يستطيع احتواء خرير جدول يعكف على غسيل ارضه المحتلة.. لا يستطيع احتواء زقزقة عصفور صغير جائع ينشد منقار امه، ولا جمال فتاة تتفجر انوثتها في ريعان بلوغها.. لا يستطع احتواء افكار الناس وابداعاتهم وتضحياتهم منذ ان انتصبوا على قائمتين وامتشقوا قلم.

كنت تعرف أن الظلم من الانسان على أخيه الانسان، انما هو بحد ذاته موت، وأن الثورة عليه انما هي حياة، بل هي الحياة، وأن اي تساوق مع هذا الظلم، أيا كان هذا التساوق، تساوما وتحايلا وتقايضا انما هو شكل من أشكال الموت، يؤجل احيانا ذهابنا الى القبر بعض الوقت لا أكثر ولا أقل. فأخترت انت الحياة (الثورة) منذ نعومة أظفارك كما يقولون، على هذا الظلم، الظلم الذي لم يقتصر على شكل واحد او طعم واحد او جنس واحد، ظلم شامل عابر للقارات والحدود والمحيطات، عايشت هذا الظلم المركب، ظلم الفقر واللجوء والجوع والزيف والخداع والتجهيل والفهلوة والسجن والابعاد والمرض، عايشته من خلال فكرك الثاقب متجسدا في عينيك الجميلتين السوداويتين تسبر ببصيرتك غور حالات مئات المظلومين بل ربما الآلاف على امتداد ما يطول بصرك وتصل قدمك وتمد يدك، رافضا ما يتلفظ به البعض من ان "العين بصيرة واليد قصيرة"، وسيتفاجأ الكثيرون من مبغضيك ومحبيك على حد سواء بالكثير من موجات مجابهاتك، ما كشفه الرفيق النوعي ممثل الجبهة في لبنان مروان عبد العال ان الحكيم جورج حبش، ضمير الثورة وفق رئيسها ياسر عرفات، وقد سبقاك الى حيث أنت اليوم في القبر، انه - حبش – قد فاخر كل ثورات العالم المعاصرة ان لديه في ملاكه القيادي ثائرا صغيرا تقوم دولة اسرائيل القوية العتية بإبعاده عن ارضه وبيته لانها لم تستطع احتواء خطره.. ويهمس عباس زكي منسق الانتفاضة الاولى: "كان جمال مغلبني ومجنني، ولكني والله كنت أحبه"، سيكتشف حتى اقرب مقربيك، انك وضعت كتابا ثقيلا عن دار "الفارابي" اللبنانية وهي من اشهر دور النشر العربية – على حد علمي – بتقديم مفكر فلسطيني وعربي بحجم عادل سمارة، وانت الذي لم تطأ قدمك الجامعة ولا حتى التوجيهي -مقياس التعلم والتقدم في بلادنا، وكأنك اردت ان تقول لنا هذا بطلان، هذا ظلم، وها انذا أثور عليه وأفضحه. وهو ما فعله ستيف هاوكنغ بسقمه وابراهيم ابو ثريا الذي كان يسير في مسيرات العودة بدون اقدام.

لا عزاء في مثل هؤلاء، التي تعج فلسطين بأمثالهم، لان الموت لن يستطيع احتواءهم وإن رحلوا، ولهذا يا جمال هب الناس من كل اصقاع فلسطين على مختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية في ثلاثة ايام عزائنا، يعزون أنفسهم، ويصبحون عليك في القبر: صباح الخير يا جمال..!

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com