2018-06-23

لماذا تخشى إسرائيل الجيل الفلسطيني الجديد؟


بقلم: محمد أبو شريفة

أثارت الذكرى السبعون للنكبة الفلسطينية الكثير من التساؤل والجدل التاريخي حول جدوى مقاومة المحتل، ومدى أهمية التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني والعربي، وماذا فعلنا؟ وأين أصبنا وأين أخطأنا؟ ولماذا هزمنا؟!

لعله جدل وتساؤل يثير الإحراج والقلق والريبة في النفوس وسيبقى كذلك في حال لم نخضعه لمراجعة ذاتية وممارسة النقد الذاتي الحقيقي لكل المستويات السياسية والاستراتيجية والثقافية والنفسية التي لازمتنا طوال عقود النكبة.

لقد خاضت القضية الفلسطينية العديد من المصاعب وتلقت الكثير من الضربات التي لم تفت من عضدها عبر مسيرتها النضالية، ولكن ما واجهته في تسعينيات القرن الماضي – مرحلة أوسلو – أدى إلى تراجعها ونكوصها وأدخلها في أتون خسارات فادحة تضاعفت في السنوات الأخيرة بفعل التحولات الراهنة التي اجتاحت أهم عواصم ومدن عربية وانحسار القضية الفلسطينية بسبب المشكلات الدامية بين العرب أنفسهم.

وبالرغم من العقود السبع العجاف التي أحاطت بالأجيال الفلسطينية المتعاقبة إلا أنهم لم يفقدوا البوصلة نحو فلسطين واستطاع كل جيل أن يُعنون مرحلته بشعارات نضالية تنسجم مع حيثيات الواقع الذي يعيشه، فاتفقت الأجيال على الجوهر وهو تحرير فلسطين، ولكن تباينت الرؤى فيما بينها على آليات العمل الكفاحي، وقد لاحظ العديد من المراقبين بدايات تشكل جيل فلسطيني جديد قادر على الصمود وابتكار أساليب مقاومة جديدة والتضحية بكل ما يستطيع من قوة في مجابهة المحتل واستنزافه وإلحاق الأذى والضرر به، ويأتي ذلك بعد أن راهن المحتل الصهيوني ومن معه من جوقة بعض العرب المُطبّعين على أن الجيل الجديد قد نسي فلسطين ولم تعد له ذاكرة تربطه بأرض الآباء والأجداد،  وما الصورة الكفاحية التي قدمها الجيل الجديد في القدس وغزة والضفة وحيفا إلا دليل على فشل هذه الرهانات، حتى إنها غيّرت الحالة النمطية للمقاومة الفلسطينية واستدعت جميع مفاصل الكيان الصهيوني ليعترف أنه أمام معركة حقيقية من الاستنزاف لم يعهدها من قبل، والاحتلال يدرك حجم وخطورة هذا النهج والمآلات التي تقود إليه، ولاسيما أن إجراءاتهم  الإرهابية  أوصلت الفلسطينيين الذين هم الطرف الأضعف في معادلة الصراع إلى حالة من اليأس والإحباط، وباتوا يضيقون ذرعا من الفروقات الشاسعة في موازين القوى مع الطرف الأقوى، وتالياً لم يعد يرى الفلسطينييون أن ثمة  جدوى في تبني الأساليب التقليدية في المقاومة أو العمل السياسي، واتجهت أنظارهم نحو تجارب الشعوب التاريخية التي تبنت خيار الاستنزاف في مقارعتها الأعداء والذي لجأت إليه في لحظة اليأس والإحباط  نتيجة ما واجهته من نكبات وخيبات، وتحملت الخسائر الجسام مقابل إيقاع خسائر في الطرف الأقوى ولو أنها كانت متواضعة  في أغلب الأحيان إلا أنها استمرت في استنزافها لأعدائها حتى نالت حريتها.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الجيل الفلسطيني الجديد بدأ يتبنى خيار الاستنزاف سواء كان بشكل ممنهج أو بعفوية في أغلب الأحيان إلا أنه يؤسس لمرحلة مهمة في تاريخ النضال عنوانها (استنزاف العدو في كل مكان)، وعمل الجيل الجديد على استنزاف خمسة مجالات أساسية لدى العدو، أولاً، الاستنزاف العسكري لجيش الاحتلال الإسرئيلي وإمكاناته وإلحاق ضربات مؤلمة فيه. وثانياً، الاستنزاف السياسي وما يحمله من أزمات داخلية وخارجية لدى النخب السياسية الصهيونية وفضح صورة كيان الاحتلال في العالم بتبنيها التطرف والعنصرية والإرهاب، وثالثاً يأتي الاستنزاف الاقتصادي فهو تحد من نوع آخر إذا ما استطاع الجيل الجديد خلق الحوامل الاستراتيجية البديلة لمقاطعة "البضائع الإسرائيلية"، ومن الأرجح أن تلحق الأذى الفادح بالاقتصاد الإسرائيلي إذا ما عمت المقاطعة في العالم أجمع، ورابعاً، يأتي الاستنزاف الوجودي والتشبث بالهوية والجذور والعودة، وهذا ما اتضح جلياً في مسيرات غضبة حيفا المتضامنة مع غزة حيث أعاد الجيل الجديد رسم خريطة فلسطين المقاومة وبعث برسالته  للعالم أن الشعب الفلسطيني واحد في الداخل والضفة وغزة والقدس وأماكن اللجوء والشتات، وأن فلسطين عربية من البحر إلى النهر، هذه الغضبة الكنعانية أكدت رؤية المبدع الشهيد غسان كنفاني في روايته المشهورة (عائد إلى حيفا) بأن الوطن لن يعود إلا بالمقاومة، وخامساً، يأتي الاستنزاف المعلوماتي (العالم الافتراضي)، حيث ساعد هذا النمط على إيصال الرسائل المتعلقة بالقضية الفلسطينية والتأثير في الرأي العام للتعاطف مع الشعب الفلسطيني وفهم مشاعره وحقوقه الإنسانية، وفضح ما يتعرض له من قمع وقتل وإرهاب منظم، وأيضاً تمكن الشباب الفلسطيني من اختراق مواقع إلكترونية حكومية صهيونية حساسة وتهديد أمنها وخصوصيتها.

إن المشهد الفلسطيني الحالي يتسم ببروز ملامح جديدة تعزز خيار الاستنزاف وتدفع باتجاه تطوير الأداء الكفاحي، فما محاولات الجيل الجديد تجاوز الحالة النمطية للأحزاب والتنظيمات الفلسطينية وعدم الوقوف على أساليبها في مواجهة المحتل إلا دليل على فعالية خيار الاستنزاف.

وإلى جانب ذلك، يبرز ملمح آخر يؤكد تفعيل القدرات الذاتية البدائية في المقاومة وابتكار أبسط الأدوات لمقاومة المحتل مثلما يحدث كل جمعة في مسيرة العودة من حرق الإطارات إلى إطلاق الطائرات الورقية إلى إزالة الأسلاك الشائكة وغير ذلك من الأدوات السهلة الاستخدام والواسعة الانتشار والقابلة للتطور حتى إن تأثيرها وصل إلى الداخل المحتل عام 1948، الأمر الذي فاجأ العدو الإسرائيلي، وتناقلت وسائل الإعلام العبرية تصريحاتهم "أنهم فوجئوا بصبر وصمود الفلسطينيين الأسطوري، وإصرارهم على المقاومة". واعترف الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي بأن "إسرائيل غير محظوظة لأنها تقاتل شعبا لا يعرف الاستسلام، ويصر على المقاومة وتحقيق الانتصار والعودة..". ويبدو أنه لا شيء يستطيع أن يدق ناقوس الخطر لدى كيان الاحتلال ويرغمه على مراجعة خياراته في الحرب أو في التسويات السياسية أكثر من حرب الاستنزاف (الحرب الشعبية طويلة الأمد). حيث حذرت أوساط سياسية وأمنية إسرائيلية  نتنياهو وحمّلته المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع.

في الواقع، إن تبني خيار الاستنزاف لدى الجيل الجديد لم يحدث مصادفة، بل هو نتيجة حتمية لتداعيات الاحتلال الكارثية طوال السبعين عاما الماضية، ما فرض على الأجيال الفلسطينية المتعاقبة تطوير إمكاناتها الذاتية لمقاومة المحتل والمحافظة على مخزونها الكفاحي الذي أبدعته خلال قرن من الزمن لتسترشد منه الأجيال الجديدة طريقها الجديد الذي يلائم التطلعات والتضحيات وقيادة دفة النضال نحو التحرير والاستقلال.

* كاتب فلسطيني. - mohabo00@hotmail.com