2018-06-19

مثل استهداف انسان بصاروخ وتمزيق جسده..!


بقلم: مصطفى إبراهيم

في منطقة محاصرة يئن الجميع فيها من آلام الإحتلال والحصار والإنقسام والعقوبات وقطع الرواتب وتشيع الشهداء وتضميد جراح المصابين من رصاص الاحتلال لجأت حركة "حماس" إلى الأسلوب الذي تشكو منه في التعامل معها في الضفة الغربية، والذي أصبح سمة لدى السلطات الحاكمة الفلسطينية في استلهام تجربة سلطات الإستبداد العربية في التعامل مع المعارضين لها والمطالبين بحقوقهم والمحتجين على سياساتها وقراراتها، القمع والسحل والضرب وقنابل الغاز والتخوين بشعار الاجندات الخارجية.

ما حدث في ساحة السرايا بمدينة غزة وقمع أفراد من حركة "حماس" مظاهرة تطالب بإنهاء الانقسام دعا اليها الأسرى المحررين، لم يتركوا لنا فرصة للتعافي من الوجع وما جرى في رام الله ومشاهد السحل والضرب والتخوين والشتم..!

قبل يوم كنت في نقاش مع اصدقاء حول قدرة حركة "حماس" على الصمود وعدم إرتكاب حماقة وان لا تضع نفسها في مقارنة مع الآخر الذي تعتبره شيطان رجيم، وتبقى ولو لمرة واحدة استثناء في عدم الاعتداء على الحريات العامة وترك الناس يعبروا عن آرائهم ومواقفهم بحرية؟

هنا لا مجال للمقارنة والتبرير، الانتهاك هو انتهاك حتى لو ضرب شخص واحد او تم مصادرة هاتفه النقال ومنع من التصوير، لا يجوز فرض وصاية على أحد في التعبير عن رأيه طالما كفل القانون له الحق في التعبير سواء بالصورة أو الكلمة والحق في التجمع السلمي.

تبرير قمع التظاهرة في غزة حسب البيان الذي صدر عن حركة "حماس" والقول أن ما حدث لم تخطط له أي جهة وطنية، وإنما جاء نتيجة الاحتقان والتوتر الذي يسود القطاع، والتباين بين المشاركين، وهو أمر مؤسف ترفضه الحركة وتدينه وتؤكد وجوب العمل على منع تكراره. جيد القول انه أمر مؤسف لكن وجوب العمل على منع تكراره هذا بحاجة الى توقف، فالاحتقان والتوتر الذي يسود القطاع لا يمنح الحق لأياً كان ان يستخدم العنف ضد الآخر، والحق في التجمع السلمي مكفول قانونيا ووطنيا.

وكان الاجدر بالأجهزة الامنية ان تحمي المتظاهرين من أي إعتداء وليس حماية المعتدين، فهذا الاعتداء ليس الأول ولن يكون الأخير ولم تتوقف الانتهاكات، والأخطر لم يتوقف عند الاعتداء انما جولات الردح والترويج للكراهية والتخوين والتبرير لما حدث، وما سمعناه من شعارات وهتافات عنصرية ضد أبناء الشعب الفلسطيني. كما أن الأجهزة الامنية لم تتوقف عن ممارسة الانتهاكات ومنع الصحافيين والمواطنين من التغطية في مثل هذه الأحداث وغيرها بما فيها تغطية مسيرات العودة وتصادر هواتفهم النقالة وتجبرهم على حذفها.

كما ذكر بيان الحركة التأكيد على صوابية قرار "حماس" وقوى وفصائل الشعب الفلسطيني في تنظيم مسيرات العودة وكسر الحصار وتوجيه حالة الغضب الداخلي والاحتقان والضغط في وجه العدو الصهيوني الذي يحاصر شعبنا ويقتل أطفالنا ونساءنا. هذا هروب من الواقع وواجب ومسؤولية حركة "حماس" القانونية والاخلاقية والوطنية ليس الهروب من توجيه الغضب تجاه الاحتلال والاوضاع الكارثية تتحمل "حماس" جزء كبير من المسؤولية عنها، بل ايضا واجبها تعزيز صمود الناس وفكفكة الازمات واشعار الناس بقربها منهم وعدم الاكتفاء بالقول انها حركة مقاومة ومسموح لها أخذ الناس الى ما تريد من أجل رفع الحصار عن غزة.

وواجبها ان تدرك ان مسيرات العودة على الرغم من أهميتها وما حققته، الا ان هناك انتقادات توجه للحركة حول التفرد في قيادتها وآلية اداراتها وتصريحات قادتها، واستمرارها ووسائل المقاومة المتبعة فيها، وعليها مع الفصائل التوقف والقيام بمراجعة نقدية للفترة الماضية.

المعارك بين "حماس" و"فتح" وصراعاتهما منذ 11 عاماً تؤكد عمق الازمة التي يعيشها الفلسطينيون وتتحمل الحركتان وزر ما وصلت اليه احوالهم من اهانة وتجويع وافقار. نحن نعيش مرحلة تحرر وطني ولا نزال نناضل من أجل التحرر من الاحتلال ونمارس كل هذه الانتهاكات في استلهام مقيت لأنظمة الاستبداد العربية.

ما نعيشه هو مثل استهداف انسان بصاروخ طائرة حربية وتمزيق جسده، وهو صراع على الهيمنة والاقصاء وممارسة الانتهاكات ضد الحريات العامة والدوس عليها وإنكار حق الآخرين في الاختلاف والتعبير عنه وتنظيمه.

* باحث وكاتب فلسطيني مقيم في غزة - Mustafamm2001@yahoo.com