2018-06-10

فشل زيارة نتنياهو


بقلم: عمر حلمي الغول

زار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو ثلاث دول إوروبية، هي: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء من الإسبوع الماضي. وفي الدول الثلاثة واجه زعيم الإئتلاف اليميني المتطرف الحاكم صدا، ورفضا لسياساته، وحثا على إعادة النظر بخياراته السياسية على أكثر من مستوى وصعيد، وخاصة في الملفين الفلسطيني والإيراني، هذا بالإضافة لبروز تناقض في المواقف بين بيبي ومسؤولة ملف السياسة الخارجية في دول الإتحاد الأوروبي، موغريني، مما دعاه لإن يرفض اللقاء بها. وبدورها أعلنت عن إلغاء زيارة لها لإسرائيل يوم الخميس الماضي، كان يفترض ان تلقي كلمة في أحد المؤسسات الإسرائيلية.

وفي المسائل الخلافية، التي شهدتها المحادثات، أكد المسؤولون الأوروبيون بشكل واضح وصريح  فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني،  انهم مع خيار المحافظة على الإتفاق، ومواصلة العمل به (5+1)، لإنه يخدم التوجهات السياسية والإقتصادية والأمنية الأوروبية والعالمية، ويحول دون إقدام إيران على تجاوز ما تم الإتفاق عليه في عمليات التخصيب. وعلى هذا الصعيد، ولذر الرماد في عيون رئيس الحكومة الإسرائيلية الفاسد اشار بعضهم إلى ضرورة مضاعفة مراقبة التطورات في جمهورية الملالي. لكن اي من المستشارة ميركل أو ماكرون أو ماي لم يستجيبوا لحملات التضليل الإسرائيلية، ليس هذا فحسب، بل ورفضوا الموقف الأميركي في هذا الصدد.

اما على الصعيد الفلسطيني فكان الإختلاف واسعا ومتشعبا، فأولا أكد جميع الزعماء الأوروبيون على ضرورة التمسك بخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967؛ ثانيا رفضوا مواصلة عمليات الإستيطان الإستعماري في أراضي دولة فلسطين المحتلة، وطالبوا نتنياهو بوقف عمليات الهدم للقرى والتجمعات البدوية الفلسطينية في خان الأحمر وغيرها؛ ثالثا رفضوا وأدانوا عمليات القتل المجانية للمواطنين الفلسطينيين الأبرياء، الذين يتظاهرون سلميا للإسبوع الحادي عشر في مسيرات العودة. وإستنكروا بشدة عمليات القتل للأطفال والنساء والصحفيين، وخاصة ما حصل في عملية القتل الجبانة لملاك الرحمة، رزان النجار. ودعوا في ذات الوقت لرفع الحصار عن قطاع غزة.

حاول نتنياهو الدفاع عن عمليات القتل المتعمد للمواطنين الفلسطينيين، بالإدعاء ان جزءا كبيرا من "القتلى" الشهداء، هم من حركة حماس، وهذا كذب وإفتراء على الحقيقة. كما إدعى بمحاولات بعض المتظاهرين "وضع" عبوات ناسفة عند السياج الحدودي ... إلخ من الأكاذيب الرخيصة والمفضوحة. لا سيما وأن ما وصلهم من تقارير دقيقة تفضح أكاذيب رئيس حكومة إسرائيل الفاسد، كما أن كاميرات مراسلي وكالات وفضائيات العالم تبث مباشرة من داخل الحدود الإسرائيلية ومن داخل الأراضي الفلسطينية جنوب وشرق قطاع غزة، التي تبث مباشرة صورها من غلاف الشريط الحدودي تكشف زيف إدعاءات نتنياهو. الأمر الذي رفضه الزعماء الثلاثة. وطالبوه دون مواربة بوقف إستباحة دم الفلسطينيين، مما إضطره أن يعلن في كلمة له في بريطانيا، انه مع أن يكون للفلسطينيين دولة خاصة بهم، ولكن الأمن بيد إسرائيل. طبعا لم يحمل هذا الموقف جديدا، لإنه يعكس جوهر مواقف الإئتلاف اليميني المتطرف الحاكم، أضف إلى انه أبقى الضبابية تلف كلمته. وذلك كي يحاول التهويش والتضليل للمتلقين الأوروبيين.
 
وعلى اهمية ما أبداه القادة الأوروبيون من مواقف داعمة لخيار السلام وحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، وبالتالي رفض الإستيطان الإستعماري، ورفض عمليات القتل الجبانة للمواطنين الفلسطينيين، إلآ ان تلك المواقف لم ترق إلى مستوى الطموح، حيث كانت تملي الضرورة عليهم جميعا، التلويح بإستخدام ورقة العقوبات الإقتصادية والتجارية في حال لم تستجب حكومته المارقة للقانون والأعراف ومرجعيات عمليات السلام، وأيضا المبادرة للإعتراف بدولة فلسطين، ودعم التوجهات الفلسطينية في الأمم المتحدة لرفع مكانة فلسطين لدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.

وعليه فإن فشل زيارة نتنياهو للدول الأوروبية الثلاثة، كان فشلا جزئيا، وليس شاملا. والسبب مازال يتمثل في إنتهاج سياسة المداراة الرخوة لدول الإتحاد الأوروبي مع إسرائيل الإستعمارية، ليس هذا فحسب، انما في محاولات بعض دول الإتحاد الركض في متاهة الإستعمار الإسرائيلي والمزاودة على إدارة ترامب وحتى على اركان الإئتلاف اليميني الحاكم إن كان في نقل سفارات بلدانهم للقدس، العاصمة الفلسطينية الأبدية، أو في تبني سياسات المستعمرين الإسرائيليين، ومناصبة الفلسطينيين العداء، واتهامهم بما ليس فيهم، ولا يمت بصلة لسياساتهم الرشيدة والحكيمة. وهو ما يتطلب من دول الإتحاد الأوروبي إعادة نظر في سياساتهم ومواقفهم تجاه دولة الإستعمار الإسرائيلية، والخروج من تحت العباءة الأميركية، والعمل على فرض الحل السياسي بما يؤمن الحد الأدنى الممكن من الحقوق السياسية الفلسطينية. غير ذلك تبقى سياسات ومواقف الدول الأوروبية على أهميتها حبرا على ورق.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com