2018-06-08

ليس اصدق من الام ان تأخذ مكان ابنتها


بقلم: حمدي فراج

بين ما قالته اسرائيل ونطّاقها السياسيين والعسكريين والامنيين عن المسعفة رزان النجار وبين ما قالته والدتها تكمن اعظم تجليات الحقيقة وآيات مطرزة لإرادة بسطاء الناس على المضي في الحياة وحبها في الطريق التي اجترحها احباؤهم وساروا فيها من قبلهم، فبدد دمهم عتمتها وظلال الشك حول سطوع نهايتها، فيأتي قرار الحسم بدون ذرة من التأخر او التردد "قررت ان آخذ دورها وان احل محلها في كل مسيرات العودة"، هذا ما صرحت به مؤخرا والدة رزان النجار.

بداية الامر، وبسبب مما اثاره هذا القنص الاسود لهذه الشابة المسعفة من استنكارات وضغوطات دولية بمن في ذلك خارجية الولايات المتحدة الامريكية التي عبرت عن حزنها لمقتلها، خرجت اسرائيل بالتخريج الاول من انه لم يتم استهدافها، بمعنى تم قنصها او قتلها بدون قصد، لكن هذا التخريج، رغم ما أثاره في ذاكرتي مطلع ثمانينيات القرن الماضي من شجون مقتل تغريد البطمة رئيسة نادي التراث الشعبي في مجلس الطلبة بجامعة بيت لحم في ساعات الصبح  وهي متوجهة الى جامعتها في منطقة المدبسة ترتدي ثوبها الفلاحي الفلسطيني، كان التخريج "رصاصة طائشة" فكتب الدكتور عبد اللطيف عقل الذي كان يدرسها مادة علم النفس الاجتماعي متهكما: "رصاصة طائشة من جندي طائش في دولة طائشة"، عادت تغريد يومها الى قريتها بتير بدون حقيبتها، رفضت امها يومها جميع "خزعبلات" موتها، واصرت على زفها عروسا حقيقية من عرائس فلسطين، زينوها ومكيجوها وأحمروا شفاهها وكحلوا عيونها وألبسوها فستانا ابيضا واكليل زفاف، وعندما أخرجوها كان وجهها مشرقا، وكان في انتظارها الافا من الناس رغم الطوق الذي فرضته اسرائيل على البلدة لمنع المشاركة في تشييع ضحية الرصاصة الطائشة، ومن عتبة منزلها وسط البلدة الوادعة، انطلقت مراسيم الزفاف، عشرات النسوة يرقصن في الشوارع ويرددن اغاني "عرس تغريد" بالاسم والزغاريد تصدح من كل ناحية وشرفة، وعلى الشارع الرئيسي في البلدة اصطف الرجال يشبكون اياديهم على الرصيقين يقدمون دبكة "الدحيّة" بالطريقة المألوفة، حيث يتمايلون الى الامام والوراء وهي تمر من وسطهم، كثيرون سقطوا على الارض في تمايلهم عندما يرون وجه تغريد العروسي.

كان تخريج رزان "بعدم استهدافها"، وكذلك تغريد "برصاصة طائشة" اقل سوءا من انكار القتل والتنصل منه ووضع مسؤوليته على جهات فلسطينية اخرى كما حدث في عشرات الحالات، لكن اسرائيل عادت ولحست ما قالته عن رزان من انها ليست ملاك رحمة بل درعا بشريا لـ"حماس"، وهذا يعني انها ليست بريئة الامر الذي يؤدي تلقائيا الى استهدافها ووضع حد لحياتها.

أكاذيب هذه الدولة اخف وطأة مما ترتكبه من اعمال القتل، لكن صدق ما عبرت عنه والدتها في ان تأخذ مكانها، وقبلها والدة تغريد في تحويل جنازتها الى حفل لزفافها، كفيل ان يضع حدا للدولة بجرائمها واكاذيبها على حد سواء، وقصة الارجنتين ومباراتها معها مؤخرا دليل آخر على اقتراب الحد.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com