2018-05-29

مائتا عام على ميلاد كارل ماركس: الرأسمالية ما زالت تطوّر الإنتاج.. وتولد الأزمات والإفقار


بقلم: داود تلحمي

عندما انهار الإتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات الماضية، اعتبر بعض منظّري الرأسمالية اننا أمام الفصل الأخير في حياة الأفكار التي اعتمدتها التجربة السوفييتية كمرجعيةٍ نظرية لها، وفي المقدمة فكر كارل ماركس. وربما نتذكّر الكتاب الذي صدر عن أحد هؤلاء المنظّرين في تلك الحقبة وحمل عنوان: "نهاية التاريخ".

لكن السنوات القليلة اللاحقة أعادت الإعتبار للواقع العنيد: فالتاريخ لا نهاية له، حتى بالمعنى الذي أراده صاحب هذا العنوان، أي الإنتصار النهائي لليبرالية الإقتصادية - السياسية. فبعد أقلّ من عقدين من الزمن، انفجرت في الولايات المتحدة، في العامين 2007 – 2008، أزمةٌ إقتصادية كبرى، لم تلبث ان امتدت الى أنحاء العالم.

وقبل فترةٍ وجيزة من انفجار الأزمة الإقتصادية العالمية الجديدة، أجرت القناة الرابعة لهيئة البث البريطانية (B.B.C.)، تحديداً في أواسط العام 2005، استفتاءً بين متابعيها لمعرفة من يعتبرونه أهم فيلسوفٍ في تاريخ البشرية. وكانت النتيجة المفاجئة أن حلّ كارل ماركس أولاً، بنسبة 28 بالمئة من أصوات المشاركين، بمسافةٍ كبيرة عمن حلّ ثانياً، وهو الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم، الذي عاش في القرن الثامن عشر، وحصل على نسبة تصويت بحدود الـ13 بالمئة، متقدماً على عددٍ من الأسماء البارزة الأخرى، من أمثال نيتشه وأفلاطون وكانط وسقراط وأرسطو. وبالرغم من أن ماركس نفسه لم يكن يحبّ أن يوصف بالفيلسوف، حيث تجاوز اهتمامه مجال الفلسفة الى العلوم الإنسانية المختلفة، من الإقتصاد الى السياسة وتاريخ المجتمعات البشرية ومجالات المعرفة المختلفة، إلا ان مثل هذا التصويت، بعد أكثر من عقدٍ على انهيار التجربة السوفييتية، أتى ليؤشّر الى مكانة هذا المفكّر الفذّ في مسيرة البشرية.

وكانت مناخات أزمة 2007 – 2008 قد جعلت بعض الإقتصاديين، حتى غير اليساريين منهم، يستحضرون فكر ماركس وتحليلاته لتناقضات النظام الرأسمالي وأزماته الحتمية المتلاحقة. المحلل السياسي في صحيفة "ذي غارديان" البريطانية*، شوماس مايلن Seumas Milne، اعتبر في أواخر العام 2008 بأن مدرسة السوق الحرة والنيوليبرالية، التي انتعشت منذ الثمانينيات الماضية، قد اهتزّت بقوة، بحيث بات أنصار هذه المدرسة جزعين مما يمكن أن ينتج عن هذه الأزمة. بينما لاحظ الأستاذ الجامعي الإسباني سانتياغو ثابالا Zabala، من جامعة برشلونة، بأن الفترة التي تلت الأزمة الإقتصادية العالمية في خريف 2008 شهدت صدور طبعاتٍ جديدة من كتابات ماركس. وبعد أن تناول الإنعكاسات المدمرة للسياسات النيوليبرالية على الأوضاع المعيشية للناس كما على البيئة والمناخ، نقل عن تقريرٍ لوزارة الدفاع البريطانية توقعاً بإنبعاث "الأيديولوجيات المناهضة للرأسمالية، والمرتبطة أحياناً بحركاتٍ دينية أو أناركية أو نيهيليستية (عدمية)، وكذلك الشعبوية وإعادة إحياء الماركسية".

ومعروف أن النيوليبرالية، التي بدأت تشقّ طريقها الى التطبيق في أواسط سبعينيات القرن العشرين، وبشكلٍ منهجي منذ الثمانينيات، عملت على إزالة كل الضوابط والقيود على حرية السوق وحركة رأس المال، مما تطلّب إضعاف الحركات العمالية والنقابية وتفكيك القطاع العام وتطوير جملةٍ من البدع المالية لمضاعفة مكاسب رأس المال المالي من خارج العملية الإنتاجية. وهو ما عنى، في المحصلة، نقل ثرواتٍ هائلة من الفئات الشعبية الى أيدي قلةٍ محدودة من كبار الأثرياء والقائمين على الشركات العملاقة، التي تحوّل بعضها الى شركاتٍ كونية، متعدية للحدود، وأحيانا متعددة الجنسية. ويقدّر المفكر اليساري الأميركي نوام تشومسكي ان نسبة أرباح الشركات الكبرى من المضاربات والبدع المالية الجديدة بلغت عشية الأزمة الجديدة في العام 2007 ما نسبته 40 بالمئة من مجمل أرباحها، في حين كانت الأجور الحقيقية للعمال في ذلك العام، بالقيمة الفعلية للعملة، أدنى مما كانت عليه في العام 1979.

أما بلدان "العالم الثالث" الأقل تطوراً إقتصادياً فقد عانت بشكلٍ أكبر، حيث اقتضت تعليمات "الليبرالية الجديدة" فرض ما أسمي بالإصلاح الهيكلي للإقتصاد، مما شمل خصخصة مؤسسات القطاع العام، أحياناً لصالح رأس المال الأجنبي، الى جانب رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية المستهلكة شعبياً، وإطلاق العنان لحرية تصرف رأس المال الخارجي، والمحلي التابع له في الغالب، وفتح الحدود أمام تدفق السلع والرساميل والإستثمارات، وخاصة تلك الآتية من البلدان الرأسمالية المتطورة. وهو ما تسبّب في المزيد من الإفقار للغالبية الساحقة من سكان هذه البلدان، باستثناء شريحةٍ محدودة من أثرياء التبعية، في حين انتقل المزيد من ثروات بلدان "الجنوب" ضعيفة أو محدودة التطور الى بلدان "الشمال" المتطورة.

سياسات النيوليبرالية القاسية هذه، والأزمات الإقتصادية المتلاحقة التي ولّدتها، استجلبت ردود أفعالٍ باتجاهاتٍ متنوعة. فالقارة الأميركية اللاتينية، على سبيل المثال، شهدت جملةً من الإنتصارات الإنتخابية للقوى اليسارية المناهضة للنيوليبرالية منذ أواخر القرن العشرين. وهي انتصاراتٌ لم ترق لأرباب رأس المال وحكام الدول الرأسمالية المتطورة، وخاصةً في الولايات المتحدة، التي بذلت جهوداً مكثفة في السنوات الأخيرة للإطاحة بالتجارب اليسارية، وهو ما تحقّق لها في بعض هذه البلدان، وأهمها البرازيل، القوة الإقتصادية الأولى في القارة. لكن باب الصراع يبقى مفتوحاً. ولا يستبعد بعض المراقبين أن يشهد الصيف القادم في انتخابات الرئاسة في المكسيك، القوة البشرية الثانية في القارة اللاتينية والجار الجنوبي للولايات المتحدة، انتصار مرشح اليسار أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، وإن كان من المؤكد أن الإدارة اليمينية المتطرفة في واشنطن، وقوى اليمين في المكسيك نفسه، ستبذل كل جهدها قبل الإنتخابات وبعدها لمنع انتخابه أو عرقلة محاولات التغيير في حال نجاحه.

وشهدت بلدانٌ أخرى ردود فعلٍ مختلفة على السياسات النيوليبرالية والأزمات الإقتصادية المتلاحقة. فبعض ردود الفعل اتخذ طابعاً دينياً إنكفائياً، وبعضها اتخذ طابعاً قومياً يمينياً منغلقاً، كما حصل مؤخراً في بعض بلدان أوروبا الشرقيةً. أما في الولايات المتحدة، فقد شهدنا في انتخابات العام 2016 صعود القوى المحافظة الأكثر رجعيةً في المجتمع، من خلال مرشحها الديماغوجي الثري دونالد ترامب، الذي تبنى أفكاراً حمائية على الصعيد الإقتصادي، تتعارض مع مبادئ التجارة الحرة التي كانت الولايات المتحدة نفسها داعيتها الأكبر في الماضي، وذلك بعد أن تبيّن أن دولاً أخرى، مثل الصين، استفادت بشكلٍ أكبر من حرية التجارة والإستثمار.

ولا بد، في سياق الحديث عن انتخابات الولايات المتحدة الأخيرة، من تسجيل أهمية صعود ظاهرةٍ يسارية فريدة من نوعها، تمثّلت في المرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي بيرني ساندرز، الذي طرح أفكاراً لم يكن مألوفاً تناولها من قبل مرشحٍ رئيسي لأحد الحزبين الكبيرين في البلد، وهي أفكارٌ لقيت تجاوباً واسعاً لدى الجمهور، وخاصةً من الأجيال الشابة، مما يفتح آفاق تغيراتٍ محتملة في المستقبل غير البعيد في الخارطة السياسية الأميركية.

وهكذا، فإن كتاب التاريخ يبقى مفتوحاً. ومع ان العالم تطوّر بشكلٍ هائل منذ وفاة ماركس، قبل 135 عاما، فإن القوانين الأساسية للنظام الرأسمالي، كما شخّصها ماركس، ما زالت في جوهرها سارية المفعول: السعي الدائم لرفع معدل الربح، ولو على حساب قوت مئات الملايين من البشر، والعمل الدائم على "تثوير أدوات الإنتاج" لمزيدٍ من مراكمة الثروات والأرباح، ومواصلة زيادة الإنتاج بمعزلٍ أحياناً عن قدرة الجمهور المستهلك على شرائها، وهو ما كان مصدر عددٍ من الأزمات منذ صعود الرأسمالية، وخاصة أزمة الثلاثينيات الماضية. صحيح أن العديد من الإكتشافات والإختراعات والتطويرات أُدخلت على وسائل الإنتاج والإتصال والنقل وتنظيم العمل والعلاقات الإجتماعية منذ وفاة ماركس، من الكهرباء وحتى الطاقة الذرية، ومن السيارة الى الطائرة وغزو الفضاء، ومن الهاتف والإذاعة والتلفزيون الى الحاسوب وشبكة الإنترنت والإنسان الآلي، وغيرها من التطويرات. لكن جوهر الإستغلال في النظام الرأسمالي بقي هو هو، حيث تستفيد قلةٌ قليلة من البشر من التطورات العلمية والتقنية، ولا يصل الى الغالبية الساحقة من المنتجين الحقيقيين، العمال والشغيلة، إلا الفتات.

وجدير بالذكر في هذا المجال أن التطويرات العلمية في مجال الزراعة سمحت بمضاعفة  الإنتاج بشكلٍ هائل، بحيث بات بإمكان الإنتاج الزراعي العالمي توفير الغذاء لأكثر من 12 مليار إنسان، أي لضعف سكان الأرض تقريباً، كما جاء في تقريرٍ لمنظمة الغذاء والزراعة العالمية "فاو" في مطلع العقد الثاني من القرن الحالي. لكن الجشع الرأسمالي يحول دون استفادة البشر من هذا التقدم، ليستمر أكثر من مليارٍ من الناس يعانون من المجاعة وسوء التغدية، كما أوضح العالم الإجتماعي والناشط السياسي اليساري السويسري جان زيغلر. ذلك أن الحرص على مصير البشر وحياتهم، بما في ذلك مصير أبناء البلد المعني، ليس ضمن أولويات  الرأسماليين، الذين لا وطن لهم، كما كان يقول ماركس، لكون وطنهم الوحيد في جيوبهم.

وما يهمّ في الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس هو تذكّر كيفية تعاطيه مع ما أنتجه من معرفة. فهو كان أبعد ما يكون عن تصوّر نفسه كمؤسس دينٍ جديد أو عقيدةٍ جامدة لها كتبها "المقدسة" غير القابلة للإغناء والتطوير. فالعكس تماماً هو الصحيح. وإحدى نقاط ضعف التجربة السوفييتية كمنت، تحديداً، في التعاطي النصوصي الجامد غالباً مع الأفكار الماركسية، بعيداً عن المنهج الحيوي الذي حكمها والسياق التاريخي لطرحها، وبمعزلٍ عن التطورات الكبيرة التي تشهدها المجتمعات البشرية باستمرار. فمنهج ماركس كان ينطلق من المراجعة  الدائمة للماضي والقراءة النقدية الصارمة للواقع، بالإستناد الى الإكتشافات المعرفية الجديدة والتطورات الإجتماعية – الإقتصادية، كما فعل هو نفسه خلال حياته.

ويرى المفكر الإقتصادي الماركسي المصري البارز سمير أمين ان الأزمة الأخيرة للإقتصاد الرأسمالي العالمي هي أزمةٌ بنيوية، وانه، حتى ولو جرى بعض التعافي في الوضع الإقتصادي الرأسمالي من خلال إجراءات الضخّ المالي المتبعة من قبل الحكومات المعنية، فإن الأزمة لن تلبث أن تعود بأشكالٍ جديدة في السنوات القادمة. ويرى سمير أمين ان عملية التحول الإشتراكي في المستقبل، خلافاً للتصورات التي كانت سائدة خلال القرن العشرين، لن تكون ناجمة عن ثوراتٍ جامحة تُجري نقلةً سريعة، بين ليلة وضحاها، من النظام الرأسمالي الى النظام الآخر البديل، الإشتراكية، وإنما عن عملية تحللٍ وتفسخ طويلة نسبياً للنظام الرأسمالي، تفتح المجال أمام عملية إنتقالٍ، مديدةٍ الى حدٍ ما، نحو اشتراكيةٍ كونية.

* كاتب ومفكر فلسطيني- رام الله. - dtal18.83@gmail.com