2018-05-28

الجندي في "الامعري": منذا الذي قتلني؟


بقلم: حمدي فراج

كأني به يعاتب امه واباه من بعيد بعيد، لا تقوى على سبر غوره طائرة الـ"اف 35" الحديثة ولا الصواريخ العابرة ولا الرؤوس النووية ولا الاقمار التجسسية التي تغزو الفضاء، يسائلهم: منذا الذي قتلني؟

كنت قبل دقائق من اسقاط حجر الرخام على رأسي في مخيم الامعري، امشي في أزقته البائسة مزهوا كطاووس في وحدة "دوفدفان" النخبوية "المستعربين" او المتفلسطنين، نلبس لباسهم ونركب عربياتهم ونقلد حركاتهم ونتخفى في ظل كوفية سوداء او حمراء كي نخدعهم لاعتقال ما تيسر من مطلوبين يقرر اسماءهم جهاز مخابراتنا "الشاباك" الذي لا يخطئ ابدا والذي لا يجب ان تنزل كلماته الارض، كنا احيانا نضطر الى حمل صحيفة عربية او كعكة سمسم مشهورة بها مخابزهم لكي يتم حسم اي شكوك لديهم في حقيقتنا، لكن كل ذلك لم ينفع ولم يشفع.

ذهبنا الى هناك مدججين بأجهزة الاتصال الحساسة الذكية واسلحتنا  الفتاكة الخفيفة  نخفيها في مؤخراتنا دفاعا عن النفس، لكن هذا بدوره لم ينفع ولم يشفع. لم أنتبه انني اسير في شوارع من الفقر والبؤس لم ار مثلها في حياتي في مدينتي الحديثة "روحفوت" التي ولدت فيها قبل عشرين سنة، لم انتبه الى انهم كانوا يحييون ذكرى نكبة قادتهم الى هنا قبل سبعين سنة، لم انتبه الى ان رحوفوت بنيت على انقاضهم، ولم انتبه الى ان وجودهم يتجاوز هذا المخيم الى عشرات المخيمات الاخرى التي تنتشر في اصقاع الدنيا، لم انتبه الى ان الخارجين الى السياج في غزة هم هؤلاء القابعين في ازقتهم ومخيماتهم ينتظرون الفرج بعودتهم الى بيوتهم سبعون عاما دون ان يتزحزح، فاضطروا للخروج وكسر الصبر والانتظار فقتلوا انفسهم برصاصنا وايدي قناصينا من ابناء روحفوت وسديروت وشيفوت ومعلوت وعطروت وبسغوت المقابلة تماما للمخيم الذي قتلت فيه.

لم انتبه الى انني لم أكن في كل حياتي – ومماتي بعد -  لأخدع احدا الا نفسي، ولكنكم جميعكم اسهمتم في خداعي، من وحدتي المختارة، القائمة اصلا على الخداع والانتحال والتمويه، مرورا بالجيش الذي يسمي نفسه بجيش الدفاع وانتهاء بالدولة التي اقمتموها على انقاض شعب آخر، فماذا كنت يا امي تتوقعين بعد كل ذلك، كان يجب عليك وعلى ابي التنبه الى ان هناك من يخدعكم، ويستمر في خداعكم، حتى في جنازتي الليلة، يقف قائد وحدتي ليقول "انني كنت بطلا في موتي اثناء مشاركتي في عملية للدفاع عن مواطني دولة اسرائيل"، في حين ان ليس هناك اثنان في العالم يتفقان على انني كنت بطلا، بل ارعنا معتديا وفي احسن الاحوال طاووسا يتبختر خارج حظيرته. لقد مارسوا عليكم الخداع حتى اسهمتم في ممارسته علي، انا ابنكم فلذة كبدكم الذي بعد اليوم لم اعد كذلك.. رونين لوبرسكي.

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com