2018-05-25

في حب الكلاب والقطط..!


بقلم: ناجح شاهين

قبل أيام كتبت شيئاً عن ظاهرة الفتيان والفتيات الذين يصطحبون الكلاب، ويزاحمون المارة في شوارع رام الضيقة خصوصاً الطيرة والمصيون. وقد أثار ذلك "المنشور" الصغير مقداراً مدهشاً من الجدل والمناقشة.

أود لذلك أن أتوسع قليلاً وأثقل عليكم بـ "تجربتي" في عالم الحيوانات التي تشكل جزءاً من الأسرة بحسب الفهم "الغربي" للموضوع.

كنت أسكن في شارع الجوز في مدينة فيلادلفيا مسقط رأس الولايات المتحدة. وكانت جارتي شابة عندها طلفة عمرها ثلاث سنوات بما سمح بأن تلعب مع ابنتي أرورك. وفي يوم من الأيام قالت لي أوروك أن صديقتها حدثتها عن حيوانها الجميل، ولكن "يا بابا يبدو أنه فأر أو فأر كبير". في أول حديث لي مع الأم سألتها إن كانوا يربون فئراناً، فقالت باستنكار: "لا، طبعاً لا، إنهما عرستان كبيرتان جميلتان". كنت أتناول شيئاً من اللبن مع قطعة خبز، ركضت فوراً إلى الحمام وتقيأت كل شيء.

بالطبع غضبت السيدة لأنني تقززت من حيواناتها الجميلة. وخلال وجودي في الولايات المتحدة تبين لي أن أي حيوان يمكن أن يصبح فرداً غالياً من أفراد الأسرة يمكن لأي خلل في صحته أن يبكي الأسرة ويثير مخاوفها ويدفعها إلى التضامن على نحو كبير. وقد كانت محاولاتي لمناقشة حساسيتهم تجاه الحيوانات في مقابل استهانهتهم بدماء العراق وفلسطين وفيتنام تفشل دائماً لأنهم يعتقدون أن على الفرد الإنساني أن يتحمل مسؤولية أعماله أما الحيوان الطيب اللطيف فهو لا يستحق إلا الحب والتقدير.

تعلمون بالطبع أن الخراف والحمام والفري والدجاج والجديان والأسماك والعجول والجواميس والخيول كلها حيوانات جميلة تستحق الحب ويمكن الاستمتاع بصحبتها مثل الكلب والقط ..الخ ولكنها تربى في حيز ضيق كي لا تخسر السعرات وتعيش "المسكينة" حياة "مملة" بانتظار أن تذبح من أجل الاستهلاك البشري.

في بلاد مثل الصين التي تقل  وحشية عن العالم الأبيض بكثييير، يأكلون أي شيء يتحرك أو لا يتحرك مثلما قالت لي صديقة صينية كانت تدرس معي في الكلية نفسها. وهذا يعني أنهم يأكلون النبات والحيوان جميعاً بما في ذلك الكلاب والقطط والفئران والخنازير ..الخ ليس لديهم هناك ترف التمييز بين ما هو صالح لأداء دور فرد من أفراد الأسرة وما هو معد لكي يكون وجبة يلتهمها البشر.

بالطبع ليس عندي بصورة شخصية أي شيء ضد الحيوانات من حيث المبدأ. وهذا لا يعني أنني أحب الحيوانات جميعاً. للأسف أمقت الفئران والصراصير والخنازير، ولكنني احب الكلاب والنمور والخراف...الخ لكنني بالطبع لا أستطيع أن أقتني في بيتي الكثير منها، وأول سبب لذلك هو عدم وجود المساحة الكافية في شقتي ناهيك عن مواردي المالية التي لا تكفي للقيام بإعالة أفراد في الأسرة من فئة الحيوانات. ويمكن أن يكون وضع المواطن الفلسطيني العادي الصعب لا يسمح له بإطعام أفراد أسرته البشريين إلا بشق الأنفس. وعندما يدور الحديث عن غزة فإن البشر أنفسهم لا يجدون الطعام.

بالطعام ليس من السهل أن تعيش الحيوانات مدللة معززة مكرمة في منزل به أفواه بشرية جائعة لا تجد ما تقتات به. لذلك نستطيع القول بدون أية مشاعر "لاسامية" تجاه الكلاب أو القطط...الخ إن انضمام أحدها إلى "افراد الأسرة" إنما يعني ببساطة تامة أننا في مواجهة أسرة فلسطينية متيسرة من الناحية المالية –لكي لا نقول إنها أسرة برجوازية تمارس عادات غربية بشكل أو بآخر- وربما أن هذه الأسرة ليست منخرطة بما يكفي في الهم الوطني والقومي الفلسطيني والعربي الذي يمكن أن يستهلك أية موارد لدى الفرد والجماعة على السواء بالنظر إلى ضخامة الهجمة الموجهة ضد العرب وفلسطين.

أستطيع أن أتفهم البذخ الناجم عن الامتياز الطبقي، وهو "حق" للأفراد البرجوازيين ما دام ذلك يسعدهم. من حق ابن سلمان –سواء أكان حياً ام ميتاً- أن يبتاع يختاً بنصف مليار دولار؛ في النهاية كما تعلمون، الرجل لم يأخذ المال من جيبي. وهذا حال  المواطن في الطيرة أو المصيون الذي لم يطلب مني شيئاً عندما ابتاع كلبه من تل ابيب أو نيويورك: إنه "حر" في إنفاق ماله كما يشاء، وهو حر في أن يهتم بغزة أو فلسطين أو سوريا أو لا يهتم، لكن على الرغم من ذلك أستطيع أن أزعم بأنه ليس حراً في إزعاج الناس في الشارع لأن لديهم من المضايقات ما يكفي بسبب البؤس السياسي والاقتصادي والصحي ناهيك عن سوء أخلاق "الشارع" إن يكن مشاة أو ضجيجاً أو سواقين.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com