2018-05-25

السلام وعين النملة..!


بقلم: حمدي فراج

لا تكاد تخلو إنشائيات العالم العربي على تعدد وسائله الاعلامية وتنوعها مكتوبة ومرئية ومسموعة من عبارة "القيادة الحكيمة" بالرغم من انها – القيادة - فردية ديكتاتورية هرمية وعمودية بامتياز، وبالرغم من انها تربعت في عرش السلطة سنوات طويلة لم يكسره في الغالب المطلق سوى التدخل الالهي بالموت الهرمي، وفي دول عديدة تم توريث هذه "القيادة الحكيمة" الى الخلف الحكيم، تحت شعار ممجوج مفاده "هذا الشبل من ذاك الاسد" وهو "خير خلف لخير سلف"، واذا كان الاب الراحل المؤسس قد حكم اربعين سنة، فإن الخلف مرشح لان يحكم خمسين.

هذه الانشائيات التي ترى في الحاكم العربي انه عبقري زمانه، هو الملهم، هو الاول في كل شيء ومجال وميدان، العسكري والسياسي والثقافي والرياضي، هو الهبة التي انعمها الله على هذا الشعب، بل إن الانشائيات تصوره على انه زعيم يرقى الى ما هو ابعد من شعبه الى الامة بإجمعها واكملها، وإذا ما تيسر من جيش المنشئين المطبلين والمزمرين بعض ممن نال قسطا متقدما من التعليم الانشائي، فإن هذا الزعيم يصبح زعيما عالميا يضاهي الزعماء العظماء في العالم وفي التاريخ.

تكمن "حكمة القيادة وعظمتها" عدا عن جماعيتها بما فيها معارضتها التي تظل جزءا لا يتجزأ منها، في انها تستطيع ان ترى ابعد مما يرى الناس، بحيث تتحول اداة الرؤيا عندها، وهي العيون، الى اشبه ما يكون برادار متطور يسبر غور المستقبل المنظور الذي قد يمتد الى عشرات السنين، هذا الرادار هو بمثابة العقل الذي يستند الى الفكر المتقد المستند الى قراءات واسعة ومعمقة في نظريات الكون والتاريخ والشعوب والثورات والانتصارات والانكسارات، تحديد الاهداف وتحديد وسائل تحقيقها، يصاحبه تحديد معسكرات الاصدقاء من الاعداء.

في خضم توقيع اتفاقية اوسلو، قبل ربع قرن، سار الناس خلف قيادتهم، وخرجوا في مظاهرات ومسيرات يؤيدونها في صنع السلام مع "اسرائيل"، حتى ان البعض زينوا آليات الجيش باغصان الزيتون وباقات الورد. قليلون من اقطاب القيادة سبرت راداراتها غور المستقبل جراء هذا الاتفاق الخطر، والذي تتعدى خطورته الشعب الرازح الى الوطن الارض والتاريخ الى الامة كلها، مقدراتها وطاقاتها ومستقبلها.

أسر لي رئيس بلدية بيت لحم عشية انسحاب الجيش منها حنا ناصر ان زميله في المجلس البلدي الذي يمتلك محلا لبيع الهدايا التدخل لدى الحاكم العسكري بإعادة مفرقعات نارية صادرها الجيش قيمتها 34 ألف شيكل، فهاتف الحاكم بعبارة "يا رايح كثّر ملايح"، فرد عليه الحاكم: انا لم ارح، انا سأظل حاكم عسكري لبيت لحم، انا فقط غيرت مكاني من المقاطعة (البصة) الى عصيون..!

وليس بعيدا عن رئيس البلدية، جاب رادار بدوي سبعيني من "كيسان" جاءت قوة عسكرية تهدم منزله توسله بعدم الهدم لان السلام قد حل، فقال له الضابط: يا ختيار، ثلاثة اشياء لن تراها طول حياتك، عين النملة ورجل الحية والسلام. ورحلا، البدوي ورئيس البلدية، لكن الحاكم العسكري لم يرحل..!

* كاتب صحفي فلسطيني يقيم في مخيم الدهيشة- بيت لحم. - hamdifarraj@yahoo.com