2018-05-23

"صفقة القرن".. هل يكفى الرفض الفلسطيني؟ وما هي الخيارات المتاحة؟


بقلم: د.ناجي صادق شراب

تعتزم الولايات المتحدة الإعلان عن خطتها للسلام في الأيام القليلة القادمة، رغم قرارها بنقل سفارتها للقدس والإعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وبتقليص مساعداتها لوكالة غوث اللاجئيين.. وما يتم تسريبه ان هناك توجها بعدم الإعتراف بإسرائيل كسلطة إحتلال، وشرعنة المستوطنات، وعدم الإعتراف بالضفة الغربية كأرض محتلة. وهنا الشكوك من وراء هذا الإعلان، وخصوصا بعد الإصرار الفلسطيني أن الولايات المتحد لم تعد الدولة الوحيدة الراعية للمسيرة التفاوضية السلمية، والمطالبة بمرجعية دولية، وبعد مسيرات العودة الكبرى والتي راح ضحيتها أكثر من مائة شهيد وآلاف الجرحى. والسؤال لماذا الإصرارعلى إعلان خطة السلام في هذا الوقت؟ وما فرص وإحتمالات نجاحها؟ وما هي الخيارات الفلسطينية المتاحة والممكنة؟ والسؤال قبل ذلك: هل من تفاصيل ومفاجآت في هذه الخطة؟ وهل هي قادرة على تحقيق التوازن الضروري لإنجاح خطتها؟

أما لماذا الإعلان عن الخطة الآن فقد يكون وراءه أكثر من إجابة.. الأولى ان الولايات المتحدة وإدارة الرئيس ترامب تريد أن ترسل رسالة أنها قد وعدت وأوفت بتقديم رؤية تاريخية للسلام والوصول لحل لصراع الكل قد فشل فيه، وبالتالي ترمى الكرة في ملعب الآخرين وخصوصا الفلسطينيين والإسرائيليين والدول العربية، وتحملهم مسؤولية الفشل في حال عدم الإستجابة.

وثانيا، وهذا إحتمال قائم، تحميل الفلسطينيين تحديدا مسؤولية الرفض، ومن ثم قد تركز على الجانب الإقليمي من هذه الخطة، بفتح مجالات جديدة للعلاقات والقبول بإسرائيل عربيا. وإعتقادا منها أن كل الأطراف في وضع لا يسمح لها برفض العرض المعروض عليها، وأنه يعتبر الأفضل..! ومن ناحية أخرى قد ترى ان إسرائيل وإدارة نتنياهو لا يمكن لها ان ترفض وعليها ان تقدم مزيدا من المرونة، بعد ما قدمته إلإدراة الأمريكية من خطوات وقرارات. ولإنجاح الخطة كما تروج الإدارة الأمريكية فتحتاج إلى تقديم تنازلات مؤلمة من الجميع، والمقصود هنا من بيدهما المفتاح لإنجاحها العرب والفلسطينيون وخصوصا الجانب الفلسطيني الأضعف سياسيا وإقتصاديا، عليه ان يقدم تنازلات اكبر تتعلق بماهية الدولة والقدس وقضية اللاجئين، ونزع سلاحهم سواء سلاح الدولة لو وجدت او سلاح المقاومة..! وبعبارة أخرى ليس مقبولا من الفلسطينيين الرفض وإلا العقوبات الإقتصادية والمالية تنتظرهم، ومن ثم إنهيار كل الإنجازات السياسية المتواضعة التي حققوها من بناء بنية سياسية ومؤسسات سلطة، وبالتالي الدفع بها لسيناريو غير معروف من الفوضى والإنهيار، او بالعمل على تحويل حالة الإنقسام السياسي إلى واقع سياسي بفصل غزة وتدويلها ورفع الحصار عنها، وبالتالي ستروج الولايات المتحدة وكل الأطراف المعنية على ان الخاسر الأكبر من رفض الصفقة هم الفلسطينيون، وعليهم الإستجابة والإستفادة مما هو مطروح، والبناء عليه مستقبلا، على أساس ان الحل في حد ذاته خيارا وما هو مطروح هو الأفضل ولن يحصلوا على أحسن منه لسنوات طويلة قادمة.

إذن الولايات المتحدة ترى ان هذا هو التوقيت المناسب لطرح خطتها، فلا تضمن ماذا تكون عليه الأوضاع السياسية في فلسطين بعد الرئيس، وفي إسرائيل بعد نتنياهو، ولا تضمن على المستوى العربي ماذا يمكن أن يحدث؟ وفي هذا السياق تؤكد الولايات المتحدة أنها قد وعدت الدول العربية، وليس إسرائيل فقط، بالإنسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وفرض عقوبات مشددة عليها، وبالتالي ووفقا لدبلوماسية الصفقة، وكما يقال في السياسة كل شيء بثمن، والآن إنتظار الثمن الذي يمكن أن يقدمه العرب، والثمن الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل.

ولإنجاح الخطة اعتقد أن الولايات المتحدة ستؤكد على المبادرة العربية وتطالب بتنفيذها عربيا الآن، وستؤكد على حل الدولتين وتطلب من إسرائيل القبول به، وهذا من وجهة نظرها يعتبر تنازلا على الجانب الفلسطيني ان يقدم مقابله تنازلا اكبر، ويمكن أن تزيد في ذلك وتحول القدس وتحصرها في الجانب الديني، وهنا يمكن ان تمنح الأردن الوصاية الدينية. وفي سياق هذا التفكير لا أحد عليه أن يرفض. لكن يبقى التحدي الأكبر في الموقف الفلسطيني على ضعفه، وهل يملك الفلسطينيون القوة والقدرة على الرفض؟ وما هي خياراتهم المتاحة؟ الرفض لن يكون الخيار الأفضل، لأنه في ظل هذه المعطيات والمحددات السياسية الإقليمية والدولية وحالة الإنقسام السياسي المتجذرة، والخوف على مؤسسات السلطة بإعتبار انها قد أصبحت خيارا حتميا قائما بذاته، فاعتقد ان خيار الرفض المطلق قد يكون صعبا، وخصوصا لو ربطنا ذلك بحالة الرئيس عباس وقدرته على الإستمرار، وأي حكم فلسطيني جديد عليه أن يدفع الثمن السياسي كما غيره، إما القبول بما هو مطروح أو عدم الإعتراف بأي تغيير محتمل..!

اما سيناريو الشرعية الدولية والذهاب للمنظمات الدولية وعلى أهميته، لكنه محكوم أيضا بقوة ونفوذ الولايات المتحدة، ويحتاج لوقت طويل ليؤتي نتائجه السياسية وفي النهاية محكوم عليه مسبقا بالفيتو الأمريكي. أما خيار إستمرارالمسيرات تكتنفه الكثير من التحديات، ويمكن أن يتحول لخيار المواجهة العسكرية والحرب الشاملة في غزة وهو خيار في المدى البعيد لا يعمل لصالح "حماس" ولا المقاومة، وخصوصا بعد تراجع الدور الإيراني والتركي الداعم لما يواجه إيران من عقوبات وضغوطات، فالبيئة الإقليمية والدولية لا تعمل للصالح الفلسطيني ولا لصالح الخيارات الممكنة، ويبقى الخيار الحتمي خيار النضال الوطني، وهو الخيار الذي يمكن أن يأتي بنتائج لكن ليس الآن، فثمنه كبير بشريا، وإقتصاديا.

وتواجه عقبة غياب الرؤية الوطنية لماهية المقاومة المطلوبة، وعليه لا يبقى امام الفلسطينيين إلا الخروج بأقل الخسائر والإبتعاد عن خيارات المواجهة سواء مع الولايات المتحدة او إسرائيل أو حتى عربيا، وأقصد هنا بالمواجهة العسكرية التي لا تعمل لصالح الفسطينيين إطلاقا.

وقد يقول قائل وماذا بعد هذا الرفض؟ وهل يتم القبول بما هو مطروح ولو كان يشتمل على تنازلات كبيرة ومؤلم فلسطينيا؟ ليس المقصود بما أطرحه ذلك. ولكني أنطلق من فرضية تاريخية وسياسية أن الحل في حد ذاته خيارا حتميا، فكم من الفرص أهدرت، ولو قبلنا بها لتغير شكل الصراع؟ المهم في اي موقف فلسطيني نقاط أساسية أولها إلإعلان رسميا عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وثانيا الإعلان الصريح من قبل إسرائيل بالقبول بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس المتفق عليها تفاوضيا. وثالثا الإلتزام ببنود المبادرة العربية. والمطالبة أن يكون للدولة الفلسطينية الحق في منح المواطنة الفلسطينية الكاملة لكل الفلسطينيين في الشتات، وحقهم في العودة للدولة الفلسطينية، ولا يعني ذلك سقوط حق العودة، لكن التطبيق المرن قد يكون احد الردود المطلوبة في هذه المرحلة. ومن النقاط الهامة توفير غطاء إقتصادي عالمي لما عرف تاريخيا بـ"مارشال أوروبا".

ان هذه الحلول تحتاج لدعم مالي كبير والتمسك بحق الدولة في مواردها الطبيعية، فلا يعني القبول بالتنازل على سلاح الدولة ان يشتمل ذلك التنازل عن الحق السيادي في الموارد الطبيعية، أي المطالبة أن يعني إنهاء الاحتلال أيضا عدم خضوع الدولة الفلسطينية لإسرائيل كدولة وهذا يمتد للحواجز والمعابروغيرها..

هذه بعض التصورات للتعامل مع خطة السلام المرتقبة، لكن في النهاية هذا يتوقف على مبادرات فلسطينية بحتة لإنهاء الإنقسام وبناء منظومة سياسية ديمقراطية، ومراجعة كل الخيارات، والتحرر من الرؤى المطلقة. إما الكل وإما لا.. فالسياسة لا تعرف ذلك وتوفر رؤية مستقبلية للصراع في سياق الدولة وليس خارجها، وهذه الرؤية السياسية كفيلة بان يحققوا من خلالها ما عجزوا عن تحقيقه الآن. غير ذلك فقدان القضية وتحولها لحلول تجزئية وسيطرة الحلول الإقليمية. ويبقى: هل من رؤية وعقلية تتجاوز نفسها الآن؟

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com