2018-05-23

أبو ديس ورواتب غزة.. ليست القضية


بقلم: د. أحمد جميل عزم

لو افتُرض جدلاً أنّ قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2017، لم يكن بشأن القدس بل حول الخليل، أو حتى جنين، فإنّه من المستبعد أن يكون رد الفعل الفلسطيني مختلفا، قد يختلف رد الفعل العربي والمسلم والعالمي، ولكن ليس الفلسطيني. ولو افتُرض أن رواتب موظفي السلطة، وجزء كبير منهم، من أنصار حركة "فتح"، في غزة عادت كاملةً، فهذا لا يحل المشكلة، ولكن يحل أزمة. في موضوع القدس، كما في الرواتب، بات الحديث عن جزئية صغيرة هي اعتبار قرية، أو ضاحية أبو ديس عاصمةً، في انحراف عن الموضوع الأصلي.

بحسب وزير العمل الفلسطيني، مأمون أبو شهلا، وهو مقيم في غزة، ويكاد يكون بمثابة محامٍ لأصحاب الرواتب، يتابع الأمر، ويطلق تصريحات تتعارض مع ما تقوله وزارة المالية والحكومة، فهو قال بصراحة إنّ ما يحدث ليس "خللا فنيا". ولكن أبو شهلا، وفي ندوة، مع الوفود الأجنبية، على هامش المجلس الوطني الفلسطيني، قال إنّ أصحاب الرواتب موضوع الجدل، يشكلون 10 بالمائة فقط من قوة العمل المفترضة في غزة، ما يعني أنّ القطاع لو كان يعمل بطاقته لن يتعرض لضغط بالحجم الراهن، من وقف الـ10 بالمائة. بطبيعة الحال هذا لا يلغي معاناة المعنيين بقرار الوقف، ولا يبرره، وحتى إذا حمل رسالة أنّ 10 بالمائة تأتي من الحكومة المركزية، تكاد تكون صمام أمان، فإنّ مشكلة غزة لا تُختزل في هذا الملف.

بالمثل بات أهم ما يتسرب عما يسمى خطة الصفقة النهائية، لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، للسلام، أنّه سيجري اقتراح ضاحية أبو ديس (شرق القدس) -والتي لا تعد جزءا من الحدود البلدية، بحسب الخرائط الإسرائيلية-، جزءا من المدينة، لتكون عاصمة فلسطينية. وهي فكرة قديمة تعود على الأقل لزمن مفاوضات كامب ديفيد العام 2000. والواقع أنّ جزءا من موضوع القدس يتعلق برسم خرائط لها تمتد لأكثر من 10 بالمائة من الضفة الغربية، وهناك خطط توسع تجعلها تصل الحدود مع الأردن، خصوصاً إذا ضُمت إليها مستوطنات مثل معاليه أدوميم، وستمنع التواصل الجغرافي بين شمال وجنوب الضفة الغربية، وستكون أبو ديس مثلا "كانتون" مكتظا ومزدحما يحيطه الجدار ومعاليه أدوميم. لقد كان يائير لبيد، عضو الكنيسيت الإسرائيلي، زعيم حزب "يوجد مستقبل" آخر من أشار إلى تفاصيل في خطة ترامب، وتحديداً لمقترح أبو ديس، ورد عليه مسؤول من مجلس الأمن القومي الأميركي، في حديث لصحيفة "جيروزالم بوست"، إن "أي واحد يدّعي معرفة بنود مقترح إدارة ترامب للسلام مخطئ"، وقال "لن نقدم تفصيلا أو تعليقات على أي بند حتى نعلن المقترح".
 
يقطع هذا المسؤول الأميركي الطريق على ما نشر في الأيام الفائتة، عن خطة "السلام" المذكورة، ولكنه في الواقع بشكل أو بآخر، يواصل "اللعبة" المستمرة منذ سنوات، فمنذ زمن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أي منذ ما يزيد على خمس سنوات، والعالم ينتظر خطة السلام الأميركية، التي كانت وما تزال، تنتظر "اللمسات النهائية" المزعومة.

عدم النظرة بشكل شمولي، والتركيز على نقطة صغيرة، له في السياسة ومناوراتها ومفاوضاتها معانٍ وأهداف مختلفة. فالتركيز على أبو ديس قد يكون خطة إشغال عن باقي الملفات، وقد يكون نوعا من خفض سقف التوقعات، حتى عندما تضاف أحياء شعفاط وبيت حنينا وربما راس العامود، كأن العرض اختلف. وحتى تبدو حلحلة ملف القدس كأنها حلت باقي الملفات. مع أنّ مواضيع اللاجئين، والسيطرة على الحدود، وكامل مساحة أراضي 1967، هي بالصعوبة ذاتها أو أكثر. وفي موضوع الرواتب، فإنّ الضغط في هذا الملف (من قبل من فرضه) يمكن أن يكون لحلحلة باقي الملفات، ولكن أيضاً التركيز على هذا الملف قد يكون هرباً من باقي الملفات (خصوصا من قبل من يستخدم الملف ضد القيادة التي فرضته). ولكن في الحالتين الملف هو مناورة موجعة ومكلفة جدا لشعب، ينتظر "خطة" للتحرير وللخروج من مآزقه.

بينما الحديث عن إعادة ترتيب كبرى للعالم العربي والشرق الأوسط، يُشغل وينشغل الفلسطينيون في ملفات صغيرة، وإن كانت مؤلمة جداً.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com