2018-05-22

غزة المحاصرة وذكرى النكبة..!


بقلم: خليل أبو يحيى

تمر علينا هذه الأيام ذكرى النكبة السبعين لسرقة فلسطين وتطهيرها عرقيًا وإقامة دولة استعمار استيطاني بدلا منها لإدارة المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط ولضمان نجاحه حتى لو كان هذا النجاح يعني إبادة مئات الآلاف من السكان الأصليين و/أو تهجيرهم قسرًا من أراضيهم.

إن الجراح الناجمة عن الاستعمار الإستيطاني الإسرائيلي والإبادة الجماعية والتطهير العرقي لفلسطين والتطبيع والتواطؤ العربي والدولي مع إسرائيل ما زالت تفتح جرح فلسطين الأعمق في ظل غياب المسؤولية الدولية وغياب حكومات العالم التي لا يهمها إلا تحقيق أهدافها. أي أن النكبة لم تنته بعد وما زالت قيد التنفيذ تحت مرأى ومسمع كل العالم.

ما السبب؟

بينما أكتب هذا المقال، تقوم إسرائيل بقصف غزة باستخدام طائرات "اف 16" المصنوعة في الولايات المتحدة الأمريكية وتضيئ صواريخها سماء غزة التي ودعت بالأمس القريب ثلة من شبابها وأطفالها ونسائها أثناء المشاركة في مسيرة العودة الكبرى للمطالبة بحقوقهم التي كفلتها لهم الشرعية الدولية. تخرج علينا هذه الطائرات الأمريكية-الإسرائيلية لتدب الرعب في نفوس أطفال لم تتجاوز أعمارهم السنة او السنتين او الثلاث تاركة وراءها كوارث جسدية ونفسية. إن قادة إسرائيل يتهمون أطفال غزة الرُّضع بالإرهاب وبتشكيل الخطر على دولتهم التي تملك رابع أقوى جيش في العالم.

نفس السؤال ايضًا: ما السبب؟

اثناء القصف المتواصل الآن يسألني أخي الصغير" إن كان سكان العالم يعرفون أن دفع نقودهم للإحتلال يبيدنا ويقتلنا، فلماذا يستمرون في الدفع؟".. اي أن ثمن الصواريخ التي تقصفنا الآن دفعه مواطنون عرب وأجانب من خلال شرائهم منتجات إسرائيلية يذهب 16% من ثمنها لتسليح الجيش الصهيوني، أو من خلال تبييض وجه إسرائيل ثقافيًا واقتصاديًا وفتح سوق ثقافي واقتصادي لهذا الاستعمار في بيوتهم. لك أن تتخيل أنه من الممكن جدًا أنك دفعت ثمن الرصاصة التي تخترق صدر طفل فلسطيني الان..!

أنا أؤمن أن إسرائيل وحدها لا يمكن أن تقصف غزة أو أن تحرمها من حقوقها. على خلاف فلسطين، إسرائيل تحظى بضوء أخضر من حكومات العالم العربية والأجنبية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية. إن كل من يلقي باللوم على غزة هو شريك إسرائيل العنصرية في جرائمها ضد الإنسانية. كل من يشتري بضائع إسرائيلية يساهم في قصف غزة وإراقة دمائنا، كل من يطبع مع إسرائيل ويرضى بكيانها يساعد في تشريدنا واعتقالنا وتجويعنا وحصارنا. كل من لا يتبنى نداء المضطهَد الفلسطيني الذي ينادي بمقاطعة إسرائيل العنصرية وعزلها ومعاقبتها يساهم بدعم الجندي الإسرائيلي الذي يقصف أطفال غزة وينهي أرواح العشرات بضغطة زر.

وبرغم هذه المؤامرات عليها، فقد نجحت غزة، وبالتالي فلسطين، في خلق وتشكيل وعي جديد مناهض للصهيونية والتطبيع ومجابه لـ"الهاسبراة".. وعي شعبي واسع المدى يتسلق بخطى متمكنة نحو المستوى الرسمي يوما بعد يوم. وخير برهان على ذلك هو الجنون والتخبط الإسرائيلي في مواجهة حركة مقاطعة إسرائيل ومسيرة العودة الكبرى، وكلاهما من اشكال المقاومة الشعبية. جدير بالذكر أن حركة المقاطعة ذات قيادة فلسطينية وتضم كافة اطياف المجتمع المدني الفلسطيني ولها امتداد عالمي وأممي وشعبي واسع.

كان لدى غزة "آمال كبيرة" بالتحرر والانتصار عندما بدأت ساعات الليل تعتم وتشتد سوادًا ولكن اليوم، بعد خيانات بعض المثقفين والنخب السياسية العربية وتركهم لغزة في أشد ساعات الليل ظلمةً وحلكة، أصبح لديها آمال أعظم وإيمان أقوى بالنصر. ذلك الايمان الذي يجعلني أثق أنني أسير في الطريق الصحيح تحت القصف والاعتداءات الصهيونية المتكررة. نفس الايمان الذي يجعلنا نقاطع إسرائيل بشتى الطرق وكيفما أمكننا.. نفس الايمان الذي يجعلنا نحيي ذكرى النكبة ونخرج بالآلاف للمشاركة في مسيرة العودة رغم غضب الولايات المتحدة وحلفائها.

إن قضية فلسطين هي قضية استعمار استيطاني وتطهير عرقي وحصار خانق يتصدى لها نشطاء مجتمع مدني يضعون علامات استفهام أمام هذه الممارسات في ظل عصر الهيمنة الامبريالية وغياب الوعي النقدي المطلوب. إن قضية فلسطين ليست قضية احسان تنتهي ببضع حفنات من الدولارات، بل هي  قضية كل شعب يؤمن بحقوق الانسان و الحرية والعدالة والمساواة. ولذلك يجب على كل العالم مساندتنا ومجابهة ترسانة الصهيونية بعيدًا عن المناطقية والقبلية والعنصرية وكل أشكال التعصب..

لكل من يسأل: كيف نتضامن مع غزة ونساندها؟ جوابنا واضح وصريح ألا وهو: عليكم تبني نداءنا الذي يطالبكم بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها وعدم التطبيع معها، تماما كما قاطع العالم نظام الابارثهيد الجنوب الافريقي البائد في القرن المنصرم وبكل الأشكال.

* عضو حملة طلاب فلسطين للمقاطعة الاكاديمية لإسرائيل وناشط حقوق إنسان. - khalilabuyahia@gmail.com