2018-05-18

"لحد ما يحلها حلال"..!


بقلم: خالد دزدار

الحالة الفلسطينية الآنية تشهد ضغوطات على القيادة الفلسطينية قد تجبرها على اتخاذ خطوات يجدها البعض تراجع عن المسار السلمي والتخلي عن اتفاقية أوسلو المشؤومة؛ يمكننا عندها اعتبار هذه الخطوات تحرك إيجابي يساهم في إعادة القضية الفلسطينية الى مكانتها كقضية أرض محتلة مغتصبة وشعب شرد من أرضه، كما وترد الكرة في ملعب الكيان الصهيوني العنصري وعملائه في المنطقة وشركائه في العالم.

من الملاحظ في الفترة الأخيرة التصريحات الجريئة للقيادة الفلسطينية ضد الإجراءات الأمريكية الطائشة الغبية (وإن كانت لا تغير في واقع القدس بشقيها "كمحتلة" حسب القوانين والأعراف الدولية والقرارات الأممية) وتجاهلات الكيان الصهيوني المستمرة للقوانين والتشريعات الدولية وحتى للاتفاقيات الجائرة مع القيادة الفلسطينية.

لم يتبقى للقيادة الفلسطينية من خيارات غير التخلي والتراجع عن اتفاقيات السلام "وحل الدولتين"، مع العلم بأن الاتفاقيات بجلها تعتبر لاغية لغياب الغاية منها: وهو احقاق "دولة فلسطينية" كان من المقرر لها أن تعلن في العام 2000 وهذا يعني أن الاتفاقية قد تعدت فترتها الزمنية المشروعة.. كما وان بنود الاتفاقيات قد تم تجاهلها وتجاوزها وانتهكت جميعها من قبل الكيان الصهيوني،  ولا نغفل تراجع الراعي الأمريكي عن كونه "راعي حيادي" الى طرف يدعم طرف واحد، فاعتراف الرئيس الأمريكي المغرور "ترامب" بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني قد أخرج المفاوضات كأسلوب لتحقيق مطالب الأطراف، وعليه يمكن للقيادة الفلسطينية العودة عن اعترافها بإسرائيل وحقها في الوجود كنتيجة لانتهاك مبدأ التفاوض، كما ويمكن للقيادة الفلسطينية أن تطالب بكامل أرض فلسطين.

من العوامل الأخرى التي تجبر القيادة الفلسطينية على انتهاج مسار اخر غير السلام والمفاوضات؛ هو وضع المنطقة الملتهب والمتغيرات على ارض الواقع، إن كان أولا بانتهاء مقولة الردع العربي مع واقع تدمير قوى الردع السورية والتي كانت الجبهة الأخيرة المهددة لإسرائيل والممتدة من جنوب لبنان وحتى خط التماس السوري، وثانيا بتخلي القيادات العربية عن القضية الفلسطينية كقضية محورية وجوهرية، والهرولة لاسترضاء القيادة الأمريكية بصفقات واتفاقيات فردية مع الكيان الصهيوني الفاشي مما أضعف الموقف الفلسطيني.

واليوم دخلت "المملكة العربية السعودية" وحليفتها "الإمارات العربية" في الواجهة محاولة الإمساك برسن الأمة العربية، واتخذ ولي العهد الأمير السعودي "محمد بن سلمان" خطوات متهورة تقودها فكرة التسيد على الأمة العربية وابتزازها ومحاربة كل من يعارضه في تحقيق مآربه... كما ويسعى لاهثا في محاولة لإنهاء الصراع العربي مع الكيان الصهيوني المغتصب تملقا "للقيادة الأمريكية" وسياستها الحمقاء في المنطقة وإن كان ذلك على حساب "الشعب الفلسطيني" ومطالبه المشروعة.

يحاول مستلب السلطة في المملكة السعودية وبالتعاون مع القيادة الأمريكية وبتأييد من مصر محاولة دفع القيادة الفلسطينية على قبول صفقة لإنهاء "القضية الفلسطينية" سموها "صفقة العصر".. وهذه الصفقة ما هي الا خطة أمريكية لترسيخ الكيان الصهيوني وانهاء الصراع عبر انهاء المطالب الفلسطينية بالقدس والحدود وحق العودة وثلاثتها خطوط فلسطينية لا يمكن التراجع عنها، لذا يبغون ممارسة الضغوط على "القيادة الفلسطينية" لقبول هذه الصفقة (ولا غرابة في تصريحات الإرهابي "نتانياهو" بأن القدس وحق العودة لم يعودوا بنودا للمفاوضة عليهم)، وسيتم الإعلان عن هذه الصفقة نهاية الشهر الجاري من قبل الرئيس الأمريكي المتهور "ترامب" متأملا أن تدعمه لتغطية قضايا فساده وفساد إدارته وفساد العنصري الصهيوني المتغطرس "نتنياهو".

وأول هذه الضغوطات تمثلت بقطع المساعدات عن القيادة الفلسطينية مع العلم هذه المساعدات المالية لم تكن موجودة أصلا "فالمملكة السعودية" منذ تاريخها لم تلتزم بالتزاماتها المالية المقررة من قبل اجتماعات القمم العربية الا اليسير منها ولا يمكن إعتبار تعهد "المملكة السعودية" بصرف 200 مليون دولار في القمة الأخيرة بتعهد جاد لدعم الشعب الفلسطيني إن كان سيصرف عبر الأوقاف الإسلامية ووكالة الغوث إن وفت السعودية في تعهدها، كما أن "الولايات المتحدة" كانت قد أوقفت المساعدات عن القيادة الفلسطينية منذ فترة طويلة ولم تكن ترعى المؤسسات الفلسطينية الحكومية وغير الحكومية الا في اليسير مما يخدم مصالحها.

القمة العربية التي استضافتها السعودية في "مدينة الدمام" نهاية الشهر الفائت لم تكن "قمة رآب الصدع" كما تم التشهير لها  ولا يمكن تسميتها "بقمة القدس" كما أشير اليها ... فالأمير "محمد بن سلمان" وضع اللمسات الأخيرة لمؤامرته على المنطقة "والقضية الفلسطينية" خاصة خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة والتي تسعى لتغيير معالم المنطقة برمتها ومستقبلها تنفيذا لمخطط الصهيونية العالمية المتمسكة بزمام السلطة في الولايات المتحدة، كما وعقدت القمة بغياب الطرف السوري وخلت قرارتها من أي خطوات للتصدي للقرار الأمريكي الغبي وسياسات الحكم الصهيوني العنصري وجاءت جل القرارات متماشية لسياسة السعودية في الخليج وحربها المزعومة ضد ايران والشعب اليمني.

في خضم جميع الظروف والمخططات المعدة والتغيرات في المنطقة لم يعد أمام القيادة الفلسطينية من بدائل الا بديل وحيد واقعي: الانسحاب من الاتفاقية السلمية الجائرة والباطلة أصلا وإعادة القضية لمسارها الأصلي، وهي صراع شعب أحتلت أراضيه واغتصبت وشرد شعبه قهرا وإجبارا من قبل كيان عنصري مارس الجرائم العديدة ضد شعب أعزل لتثبيت سلبه أرض ومقومات شعب ومخالفته جميع الأعراف والشرائع الدولية وتجاهله ورفضه جميع القرارات الأممية ضده.. على القيادة الفلسطينية التراجع عن الاعتراف في الكيان الصهيوني عقب تنفيذ الإدارة الأمريكية الغبية وعودها بنقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة وافتتاحها تلك السفارة على أرض فلسطينية مغتصبة متناسية ومتغاضية عن جميع القوانين والأعراف الدولية والقرارات الأممية وتعهداتها ذاتها كراعي للاتفاقية السلمية.. وكحل للصراع العربي مع الكيان الصهيوني على "القيادة الفلسطينية" إعلان تبنيها حل "الدولة الواحدة" كحل وحيد ويمكن إبقاء مؤسسات السلطة السابقة ترعى الشؤون المحلية الداخلية على أن تكون المسؤولية الكاملة للكيان المحتل والمجتمع الدولي والرباعية وعليهم إيجاد السيل لإبقاء الخدمات المدنية ويبقى الكيان المحتل المسؤول حسب القوانين الدولية وعليه تبقى المسألة معلقة "لحد ما يحلها حلال".

* الكاتب فلسطيني يقيم في كندا. - kduzdar@gmail.com