2018-05-17

وعد "كوشنير".. وعد من لا يملك لمن لا يستحق..!


بقلم: راتب عمرو

نعلم جيداً أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الأسلامية والمسيحية في القدس، هي خط أحمر لا يمكن المساس بها أو الإقتراب منها بإعتبارها مسألة إسترتيجية هاشمية أردنية رسمية وشعبية بإمتياز، لأن هذا الإقتراب يُثير العديد من الهواجس والمخاوف والتوقعات أقلها تهويد المدينة ومقدساتها، ليس فقط في أعقاب تصريحات مستشار الرئيس الأميركي "كوشنر"، ولكن بسبب السيناريوهات التي تم إعدادها للمنطقة والمفتوحة على كل الاحتمالات والتوقعات، وفي ضوء القناعة بأن القدس وما يحصل فيها قد تكون البداية، لتطبيق "صفقة القرن" من الأكبر الى الأصغر، وكجزء من سلسلة أكثر غموضاً من التطورات المتلاحقة والمتسارعة المتعلقة بالقضية الفلسطينية والمنطقة بشكل عام.

فعندما يتحدث "كوشنر" عن وصاية حصرية لإسرائيل على كل ما في القدس فهو لا ينطق عن الهوى، إنما يعبرعن نتاج ما أفرزه المطبخ السياسي الإسرائيلي - الأمريكي خلال السنة الماضية، ويرسل من خلال حديثه رسالتين مشفرتين للجميع في المنطقة وللأردن بشكل خاص:

الأولى: وهي أن ملف مدينة القدس انتهى بحكم الواقع الذي أفرزته "صفقة القرن"، وأن هذا الملف تم تسليمه بمجمله الى إسرائيل، وأن الأيام القليلة القادمة تحمل بين طياتها تفاصيل دقيقه وهامه سيتم الأفصاح عنها لاحقاً، من بينها شكل ونوع وطبيعة الرعاية الدينية للأوقاف الإسلامية تحديدا في القدس، وإعادة تأطيرالوصاية على المقدسات المسيحية بشكل آخر وفي إتجاه جديد.

الرسالة الثانية: هي تلك التي تقول فيها الإدارة الأمريكية الحالية بلسان "كوشنر" بشكل مشفر، بأن مسألة الوصاية على المقدسات سيتم إستثمارها من قبل إسرائيل والإدارة الأميركية كوسيلة للابتزاز السياسي..! وعلى الرغم من أنه لا يوجد شيء ثابت ومؤكد ونهائي يتعلق بالتفاصيل، لكن الأيام القليلة القادمة وتحديداً خلال شهر حزيران القادم، ستكشف عن الإستحقاق المتعلق بالقدس وغيرها من الملفات الشائكة.

عملياً فإن ما ورد على لسان "كوشنر" يمكن فهمه على أنه وعد آخر كوعد "بلفور" المشؤوم، وبالتالي فهو "وعد من لا يملك لمن لا يستحق" بإعتباره  "وعداً" أمريكياً لإسرائيل، على أنها صاحبة الولاية على القدس بضفتيها الشرقية والغربية وعن ملف الوصاية على المقدسات فيها، ونقل الوصاية كيف ما ترى وحيث ما تشاء، كما أنها صاحبة القرار في الإبقاء على ما تريد من الأحياء والتجمعات الفلسطينية والتنازل عن ما لا تريد، وأن  "وعد كوشنر" هذا هو جزء من وعود وتغييرات متعددة الأهداف والإتجاهات قادمة، كجزء من "صفقة القرن" ومن السيناريوهات القادمة لا محالة، والمتعلقة بإعادة تشكيل المنطقة وإعادة ترسيم أدوارها من جديد.

ولهذا فقد شهدنا خلال الأيام القليلة الماضية تنازلات إسرائيلية "مؤلمة"، كما يقولون، عن أحياء في القدس الشرقية، من بينها جبل المكبر وشعفاط وكفرعقب بالإضافة الى العيزرية وأبو ديس، في خطوة الهدف منها التخلي عن المسؤولية عن ما يقارب من 300 الف نسمه من السكان الفلسطينيين هناك.

بقي أن نقول أن الإدارة الأميركية جعلت من نقل السفارة الأميركية الى القدس، إختباراً عملياً وحقيقياً لقدرة العالمين العربي والإسلامي على التصدي لـ"صفقة القرن"، فإذا بها قدرة كاذبة حتى أنها غير موجودة، بإستثناء فعاليات مسيرة العودة في قطاع غزة، ورغم أنها أسفرت عن عشرات الشهداء وآلاف الجرحى، إلا أنها أعادت وضع القضية الفلسطينية على الطاولة الدولية من جديد، وكانت تلك الفعاليات إختباراً آخر لقدرة العالم العربي على التضامن ولو بالحد الأدنى ضد نقل السفارة وتطبيق "صفقة القرن"، فإذا به لم يصل الى الحد الأدنى من التوقعات، فكانت النتيجة أن وجدت الإدارة الأميركية نفسها أمام واقع عربي وإسلامي منقسم ومتشرذم وغير مكترث بما يحدث، ومهيأ للبدء في تطبيق "صفقة القرن" الأميركية، فكان لها ما تريد..!

* مدير مركز الأفق للدراسات الأستراتيجية، عمان - الأردن. - ratebamro@gmail.com