2018-05-17

 لماذا اختفى مصطلح "تمزيق فلسطين" بدلا من "تقسيم فلسطين" من قاموس دبلوماسيتنا العتيدة؟


بقلم: د. نهى خلف

نشر خبر في جريدة "فلسطين" اليافية بتاريخ 10ـ1ـ1948 بعنوان "خطبة تريجنيف لي في الجلسة الأولى للجنة "التمزيق": صعوبة سفر اللجنة وإرسال قوة للتنفيذ..!"

وكان "تريجنيف لي" آنذاك السكرتير العام الأول للأمم المتحدة وجاء في الخبر "افتتح تريجتيف لي السكرتير العام للأمم المتحدة اليوم الجلسة الأولى للجنة الخماسية التي عهدت إليها الأمم المتحدة بتنفيذ قرار تقسيم فلسطين قائلا: "واعرفوا إن مجلس الأمن لن يتردد في ممارسة كل سلطة يخولها له ميثاق الأمم المتحدة لمساعدتكم في تحقيق... رسالتكم"، مضيفا "ان مهمتكم تقتضي مفاوضات دقيقة وحكاما ثابت وعزما من حديد وشجاعة رائعة.. والطريق أمامكم ولكنني واثق من مقدرتكم على تخطي كل الصعاب... ومهمتكم واضحة وهي إنشاء دولتين مستقلتين عربية ويهودية في موعد لا يتأخر عن أول تشرين الأول القادم".

وقال كارل ليزتسكي، وهو عضو اللجنة، التشيكي الأصل، الذي انتخب رئيسا للجنة: "إن اللجنة الخماسية ما هي إلا هيئة تنفيذية ولا يصلح لها تعديل القرار المكلفة بتنفيذه وكل تعديل من شأن مجلس الأمن وحده".

وفي يوم 18ـ1ـ1948 جاء في خبر آخر "دول الجامعة العربية تنصح بعدم إرسال لجنة التمزيق إلى فلسطين"، وذلك بعد أن عقد اجتماع مطول دام طول الليل في حلوان في دار عزام باشا حضرته الهيئة العربية العليا كما حضره مندوب المملكة السعودية وشخصيات أخرى. وفي نفس العدد من الجريدة نشر خبر آخر عن وصول الكتيبة الثانية من المتطوعين العراقيين إلى سوريا.

أما افتتاحية الجريدة في هذا اليوم فقد كان عنوانها: "صداقة.. وفلسطين في جحيم: بفضل الله ووطنيتنا سنجتاز محنتنا".

واتهمت هذه الافتتاحية بريطانبا بالانحياز التام للصهاينة وبالكذب والادعاء بغير ذلك وتقول "ليس عجيبا أن تزعم لندن هذه المزاعم الكاذبة  لتغطية الجناية التي ترتكبها في فلسطين، وإنما العجيب حقا أن تنزلق بعض الحكومات العربية، وتصدق هذه الدعوى الباطلة وتسارع إلى وضع يدها في يد بريطانيا، ويتظاهر الفريقان أمام العالم بالصداقة العربية البريطانية.. اللهم كفانا شر أصدقاء مثل الانكليز الغادرين.. اللهم قدر للعرب الفلسطينيين أن يجوزوا محنتهم بفضلك أنت وحدك وبفضل وطنيتهم هم دون حاجة إلى معونة الأصدقاء.. وأصدقاء الأصدقاء".

وفي افتتاحية يوم 22ـ1ـ1948 التي كانت تسمى "حديث اليوم" بعنوان "الغنم للانجليز والغرم على العرب ومع ذلك نحن نرجو ان نكون مخطئين"، ويفسر المقال كيف يلعب البريطانيون لعبة مزدوجة فمن جهة يدعون انهم يحيلون قضية فلسطين للأمم المتحدة حيث يسود نفوذ أمريكا واليهود ومن جهة أخرى يحاولون ربط الدول العربية بعجلة الامبراطورية عبر عقد اتفاقيات معهم، فالانجليز يعتبرون امريكا العاتية الطاغية وما عسى ما ترسله من أسلحة "لتمزيق" فلسطين، دولة مسالمة غير معتدية، أما العراق مثلا عندما يهرع لمساعدة فلسطين يعد معتديا في نظر الانجليز بحكم الاتفاقيات التي عقدتها مع الدول العربيةّ..!

لقد ورد مصطلح "تمزيق" عدة مرات للإشارة إلى لجنة التقسيم في جريدة "فلسطين" في عام 1948 ولكنه اختفى تماما من اللهجة الدبلوماسية العربية، برغم انه تعبير دقيق لما حدث ولا يزال يحدث لفلسطين، فمصطلح قرار التقسيم، وحتى إن لم ولن يطبق، هو مصطلح خاطئ لا يعبر عن النية الحقيقية والمبيتة من الخطة، حيث انه مصطلح خداع يوحي بشيء من العدل والحق وكـأنه تقسيم شرعي للإرث المشترك، بينما أن الخطة والقرار بالأساس قرار ظالم استعماري هدفه منذ البداية "تمزيق" فلسطين أرضا ووطنا وشعبا..!

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت. - khalaf.noha@gmail.com