2018-05-12

نقل السفارة والرهان الامريكي الاسرائيلي..!


بقلم: د. هاني العقاد

بعد حرب  العام 1967 واحتلال اسرائيل لكل الضفة الغربية والقدس وغزة وسيناء والجولان وجنوب لينان بدأت اسرائيل ترسم خارطة كيانها الجديد ارتكبت ومازالت ترتكب على اثر ذلك كل المحرمات والجرائم بكل اشكالها بحق الانسان العربي الفلسطيني. اليوم تعيدنا امريكا الى تلك الحرب وتشرعن جرائم اسرائيل عبر توفير الحماية السياسية المادية والمعنوية والقانونية..  ليس ذلك فقط بل تزود اسرائيل بكل الطاقات المطلوبة والسلاح المطلوب لتبقي الدولة القوية الوحيدة في المنطقة والقادرة على احداث حالة ردع باتجاه الكل العربي والاقليم المحيط.

لقد تغير الدور الوظيفي للولايات المتحدة الآن فاصبح دورا يحافظ على ان تبقى اسرائيل داخل كل المؤسسات العربية بكل الكيانات العربية التي لم تربطها أي علاقة سابقة بإسرائيل، وبدأت بالتالي اسرائيل تتغلغل في الداخل العربي الرسمي حتى وصلت لان يقف رئيس وزرائها ويقول على الملأ بان اسرائيل تربطها علاقات صداقة قوية مع الكثير من الدول العربي التي لم تعقد معها اتفاقيات سلام.

لم يكن سطو امريكا على القدس اليوم ليتم الا عندما ضمنت الولايات المتحدة ان العرب انتهي امرهم واصبح بالإمكان تجاوز كل الموانع السابقة وايقنت ان العرب يمكن ان يوافقوا أن تسطو امريكا على القدس وتهديها لإسرائيل وبحضور عربي للأسف وهذا ما حدث..!

الجريمة ان امريكا اليوم استطاعت تسيير الحياة السياسية في كثير من الدول العربية واصبحت السياسة العامة لكثير من البلدان العربية ترسمها وكالة المخابرات الامريكية وبالتالي اصبحت دول عربية عدة تحتاج أمريكا ليس للمال ولا التكنولوجيا ولا للنهضة الصناعية او حتى تصنيع السلاح، بل للحماية والدفاع عن بقاء هذا النظام او ذاك..! وهنا اقول ان امريكا نجحت في تغيير الدور الوظيفي لها في الشرق الاوسط، فبدلا من انها كانت تبيع صفقات سلاح بالمليارات اصبحت بوارجها الحربية وغواصاتها النووية ترسو في الخليج العربي كحماية للعرب والثمن ليس المال فقط ولا البترول ولا الشرف العربي وانما القدس، وجلوس اسرائيل البنت المدللة لأمريكا على الحضن العربي..!

اليوم تنقل امريكا سفارتها الى القدس دون أي احترام للمشاعر الإسلامية او العربية او احترام للقانون الدولي، بل في خطوة فسرها الجميع بانها انتهاك فاضح لكل القوانين الدولية. فلا يحق لدولة ما ان تقرر عاصمة دولة اخرى وخاصة اذا ما كانت تلك الدولة تحتل ارض الغير بالقوة المسلحة، وبالتالي على دول الاسرة الدولية عدم نقل بعثاتها الدبلوماسية لأي مناطق او اراض تم احتلالها بالقوة العسكرية. هذه الخطوة الامريكية كان يمكن ان تكون بمثابة الحرب على المصالح الأمريكية والاسرائيلية في الشرق الاوسط  لو أنها اتت قبل عشرة اعوام من اليوم، لكن امريكا متأكدة ان مصالحها لن تتضرر بالشرق الاوسط. لكن هذا الأمر لن يستمر للابد، لان رهان امريكا على الصمت العربي قد يكون رهانا غير صحيح وغير ثابت لان الانظمة العربية احيانا لا تستطيع البقاء قوية اذا ما اهتز عرش السلطان، فأمريكا تراهن على الانظمة ونحن نراهن على الشعوب لان الشعوب مهما استطاع الحاكم ارهابها وتخويفها وقمعها واغراقها في ملذات الحياة ستصحو يوما من الايام وصحوتها ثورة وثورتها تعني اسقاط الخيارات الأمريكية ونسفها بالكامل وانتهاء النفوذ الامريكي بالمجمل..!

هذا جزء مهم من ما يسمي (صفقة القرن) التي يسعي ترامب  للإعلان عن تفاصيلها مباشرة بعد ان ينقل سفارة امريكا الى القدس ويتأكد ان الخطوة الاولي لتجسيد اعلانه القدس عاصمة لإسرائيل بات حقيقة وبات مقبولا  لدي الكثير من العرب وفي النهاية سيقبله الفلسطينيين وهنا علينا ان نفهم ان الإدارة الامريكية اليوم تسير باتجاه ايجاد حل سياسي اقتصادي امني للصراع بعيدا عن ثلاث قضايا كبري اساسية وهي القدس والحدود واللاجئين وبعيدا عن أي مرجعيات  سياسية  فمبادرة السلام العربية باتت مقلوبة بعد الهرولة العربية للتطبيع مع اسرائيل على اكثر من مستوي في العلن  وبعد التصريحات المؤذية للمشاعر القومية بأحقية اسرائيل في العيش بالمنطقة على الارض العربية دون ان تحقق السلام المنشود ، لكن لا اعتقد ان واشنطن يمكن ان تنفذ خطتها كاملة وتبقي سفارتها في القدس  ويقبل الفلسطينيين تلك الصفقة في النهاية حتى لو قبل كل العرب ذلك.

اسرائيل وامريكا والعرب يراهنون اليوم على قبول الفلسطينيين بالاجراء الامريكي وما مسألة الاحتجاجات الا مسألة مؤقتة وسوف تخفت وتنتهي، مثل باقي حالات الغضب الفلسطيني التي واكبت الاجراءات الاسرائيلية على الارض.. فلو عرفت اسرائيل وأمريكا ان انتفاضة فلسطينية موحدة ستقوم بسبب نقل السفارة لما تم الإقدام الآن على هذه الخطوة، لذا فانا اتمني ان ينتفض الفلسطينيون على طريقة الثورة المبرمجة والمقاومة السلمية المدروسة والجامعة التي يقودها الشعب وليس الاحزاب السياسية لان الدور الحزبي يجب ان يكون حاميا لتلك الانتفاضة عبر تعزيز الاداء الجماهيري واستمراريته وذلك من خلال قيادة وطنية موحدة تقود المواجهة والمقاومة القادمة لتعمل في ذات الوقت على وقف اي محاولات من قبل اسرائيل لحرف هذه الانتفاضة عن مسارها لتخدم اسرائيل اكثر من تحقيق أي اهداف وطنية.. انتفاضة وطنية شاملة على كافة القطاعات وبكافة الوسائل والادوات الموجعة للاحتلال ليدفع الاسرائيلي على ارضنا الثمن الباهظ، وليست على طريقة هبات الغضب التي واكبت الكثير من الاحداث التي ما لبثت ان اصبحت مجرد تاريخ في الصراع واصبح الاجراء الاسرائيل امرا واقعا ضمن سياسة الامر الواقع. ما يقلق اسرائيل ويخيفها انتفاضة مبرمجة مخططة طويلة حسب استراتيجية وطنية شاملة تستنزف كل حالة راحة واستقرار يمكن ان تعيشها اسرائيل وشعبها المحتل.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com