2018-05-11

"النكبة": كيف تحول المصطلح من "نكبة العرب" إلى "نكبة فلسطين"؟


بقلم: د. نهى خلف

من الأهمية القصوى التذكير اليوم، بعد مرور سبعين عاما على النكبة بأن  المفكر السوري الراحل قنسطنطين زريقَ (1909ـ2000) الذي ينتمي إلى بلاد الشام وليس فقط الى فلسطين، والذي شاهد وواكب كثير من التطورات والتقلبات في العالم العربي، هو أول من صاغ مصطلح النكبة في كتابه "في معنى النكبة" الذي كتبه في آب 1948، حيث ينتمي الى جيل النكبة حسب التصنيف الشائع المستخدم للتعريف بمن واكبوا نكبة عام 1948.

وقد عرّف قنسطنطين زريق النكبة بهذه الكلمات: "ليست هزيمة العرب في فلسطين بالنكسة البسيطة أو بالشر العابر الهين. وإنما هي نكبة بكل ما في هذه الكلمة من معني. ومحنة من أشد ما ابتلى بالعرب في تاريخهم الطويل، على ما فيه من محن ومآسي. سبع دول عربية تعلن الحرب على الصهيونية في فلسطين، فتقف أمامها عاجزة ثم تنقص على أعقابها. خطب نارية يلقيها ممثلو العرب في أعلى الهيئات الدولية منذرة بما ستفعله الدول والشعوب العربية إن صدر هذا القرار أو ذاك. وتصريحات تقذف كالقنابل من أفواه الرجال الرسميين لدى اجتماعات الجامعة العربية ثُم يجد الجد، فإذا النار خافتة باهتة وإذا الصلب والحديد صدئ ملتوي سريع العطب والتفتت، وإذا القنابل جوفاء فارغة لا تحدث أذى ولا تصيب مقتلا".

لقد صنف زريق إذن "النكبة" على أنها نكبة العرب وليس فقط نكبة فلسطين، والسؤال اليوم  إذن: ما دام المفكرون العرب ينظرون الى هزيمة 1948 كمشكلة أصابتهم جميعا، فكيف ولماذا تحولت النكبة بمفهومها الشائع إلى نكبة فلسطين فقط، والفلسطينيين وحدهم؟

ان هذا السؤال يحتاج إلى دراسات معمقة، ولكن من الواضح إن هذا التحول ناتج في المقام الأول بسبب التحول أو بالأحرى التخبط ثم التحجيم ثم التهاوي الذي أصاب الفكر العربي والأخطر من ذلك المفكرون العرب أنفسهم.

فمنذ عام 1948 تحدث قنسطنطين زريق عن أهمية دور المفكر في مواجهة الهزيمة، حيث أشار منذ ذلك الحين عن البلبلة التي أصابت المفكرين العرب بعد الهزيمة قائلا: "من شر ما تحدثه بعض المحن والشدائد توزع الآراء وتفرق النزعات في الأفراد والجماعات. فترى هؤلاء من شدة ما يصيبهم ذاهلين ضائعين: يأخذون حينا بهذا الرأي وحينا بذاك، ويتبعون أي دليل يدّعي القيادة، الى طريق الخلاص.. فالواقع إن مئات من الألوف من أهل هذا البلد المنكوب لم يشردوا من بيوتهم ويهيموا على وجوههم فحسب ـ بل أن أفكارهم وآرائهم، وأفكار أبناء وطنهم في شتى منازلهم، قد شردت أيضا وهامت، فانتشرت فيهم بلبلة في الرأي، أقل ما يقال فيها إنها نذير بشر أعظم إذا لم تبدد ويحل محلها تفكير صاف وعزم موحد.. من مظاهر هذه البلبلة هذه الإتهامات المختلفة تكال حينا لهذا وحينا لذاك، وتصب على هذه الجهة أو تلك. وترى الناس من أثرها  ينحازون الى دولة من الدول العربية على أخرى.. فيشغلون بذلك عن التفكير في العدو المشترك والمصاب الملم".

ونقول بعد مرور سبعين عاما على هذا التحليل: أليس مما يدعو للإستغراب والألم أنه لم يتغير شيئا (إلا القليل وربما إلى الأسوأ) اليوم بالنسبة للبلبلة التي تصيب الفكر العربي، ان كان عبرما سمي بـ"الربيع العربي" أو الانقسام الفلسطيني؟

أما المفكر السوري الراحل ياسين الحافظ (1930ـ1978) فقد اهتم بشكل خاص بما أصاب الفكر العربي والمفكرين العرب بعد نكسة 1967 حيث كتب كتابا بعنوان: "الهزيمة أم الايديولوجيا المهزومة؟"

لقد استخدم ياسين الحافظ مصطلح "جيل الانتلجنسيا العربية الثالث" ليصف من يعتبر انهم فشلوا في عملية التغيير في العالم العربي، ويمكننا عبر تحليله لهذه الظاهرة وشرحه لها، أن نستخلص أن التناقضات الحالية على الساحة الفلسطينية والعربية تجد جذورها في التناقضات الفكرية الكامنة بالأساس في فكر هذا الجيل.

يقول ياسين الحافظ "لعل الإخفاق الأسوأ الذي مازلنا نعيش في دوامته هو إخفاق جيل الانتلجنسيا العربية الثالث، الجيل الذي أراد أن يشكل نقيض الجيل السابق المهزوم وتجاوزه، الجيل الذي تكون في الثلاثينات وأخذ يصعد في أواخر الأربعينات وتأّوّج في الخمسينيات ثم انحدر في الستينيات وسقط نهائيا في السبعينيات". ويضيف: "خلافا للجيل الثاني ذاك، جاء الجيل الثالث، مستفيدا من سياق دولي موات مثل أساسا في بروز المعسكر الاشتراكي كقوة وازنة على المسرح الدول، ليعبر، على الصعيد السياسي، عن نزوع راديكالي وغير متصالح مع الاستعمار. لكن، لأنه كان محافظا على الأصعدة الإيديولوجية والثقافية والاجتماعية، كانت قدرته على تحديث بنى المجتمع العربي، بما في ذلك الاقتصادية، محدودة جدا تارة ومعدومة تارة أخرى، وهذا ما جعل راديكاليته السياسية المستمدة إلى بنى مفّوتة، في تصديها للهيمنة الإمبريالية وإسرائيل، تأخذ طابع رومانسية ثورية،  و كانت تتحول مع تأكد العجز والتآكل، كما تجلى في هزيمة حزيران وعواقبها، إلى "تفنيص" ثوري (أو منفخة ثورية). ومن طبيعة الأشياء أن يتحول التفنيص الثوري بعد ارتطامه، إلى استسلام".

ان ياسين الحافظ الذي كان متأثرا بالفكر الماركسي قد وجه نقده اللاذع هذا، إلى معظم المفكرين  اليساريين  الذين إدّعوا  الراديكلية، بالإضافة الى المفكرين اليمينيين والليبراليين.

أما الشاعر الكبير نزار قباني فقد عبر بلغة شاعرية عن نكسة 1967، في قصيدته "هوامش على دفتر النكسة" حيث يقول: "أنعي لكم.. أنعي لكم.. نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة... يا وطني الحزين حولتني بلحظةٍ من شاعرٍ يكتب الحب والحنين لشاعرٍ يكتب بالسكين...لأن ما نحسه أكبر من أوراقنا .. لا بد أن نخجل من أشعارنا... إذا خسرنا الحرب لا غرابة لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة....خلاصة القضية توجز في عبارة ... لقد لبسنا قشرة الحضارة
والروح جاهليه..... كلفنا ارتجالنا خمسين ألف خيمةٍ جديده .... ما دخل اليهود من حدودنا
وإنما تسربوا كالنمل.. من عيوبنا ... يا أصدقائي جربوا أن تكسروا الأبواب أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثواب."
ويقول أخيرا "نريد جيلاً غاضباً.
نريد جيلاً يفلح الآفاق
وينكش التاريخ من جذوره..وينكش الفكر من الأعماق
نريد جيلاً قادماً..
مختلف الملامح..
لا يغفر الأخطاء.. لا يسامح..
لا ينحني..
لا يعرف النفاق..
نريد جيلاً..
رائداً..
عملاق

ولقد أغضبت هذه القصيدة  البعض ممن عرفهم نزار قباني في ذلك الحين "بمرتزقة" الكلمة.

ماذا حدث إذن بعد نكسة 1967؟ هل كانت نكسة 1967 ثم غياب الرئيس العروبي الراحل جمال عبد الناصر السبب الرئيسي الذي أدى إلى تحول النكبة من نكبة عربية إلى حصرها بنكبة فلسطينية بحتة؟ وصولا إلى نكبة بيروت 1982 والتي وثقها الشاعر الفلسطيني العظيم  محمود درويش "مديح الظل العالي" قائلا:
"كمْ كنتَ وحدك يا ابن أُمِّي، يا ابنَ أكثرَ من أبٍ، كم كنتَ وحدكْ... كسروكَ، كم كسروكَ كي يقفوا على ساقيك عرشا
وتقاسموك وأنكروك وخبَّأوك وأنشأوا ليديكَ جيشا......... وأطلْتَ حربَكَ، يا ابن أمِّي،
ألفَ عام ٍ ألفَ عام ٍ ألفَ عام ٍ في النهار ِ. فأنكروكَ لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة والفرار..
لا تَذكُر ِ الموتى، فقد ماتوا فُرادى أو عواصمْ، سأراك في قلبي غداً، سأراك في قلبي
وأجهشُ يا ابن أمي باللغة، لغة ٍ تُفَتِّشُ عن بنيها، عن أراضيها وراويها،
تموت ككلِّ من فيها، وتُرمى في المعاجمْ، هي آخر النخلِ الهزيل ِوساعة ُ الصحراءِ ،
آخرُ ما يَدُلُّ على البقايا، كانوا، ولكن كنتَ وحدك، كم كنتَ وحدكَ تنتمي لقصيدتي....
والآن، والأشياء سَيِّدَة ٌ، وهذا الصمت يأتينا سهاما
هل ندركُ المجهولَ فينا. هل نغني مثلما كنا نغني؟
آه يا دمنا الفضيحة، هل ستأتيهم غماما،
هذه أمم تَمرُّ وتطبخ الأزهار في دمنا
وتزدادُ انقساما .
هذه أممٌ تفتشُ عن إجازتها من الجَمَل ِ المزخرفِ …

لقد عبرت هذه القصيدة  عن الانفصال القسري الذي حدث بين قضية فلسطين وقضية العرب و خاصة بعد عام 1967، كما وضحت استمرارية النكبة الفلسطينية التي بدأت في عام 1948 حيث ربطت بين ما حدث  من مجازر عبر عقود قائلا: "قاتلا ً يدلي بسكِّين ٍ .وقتلى يدلون بالأسماء :صبرا، كفر قاسم، دير ياسين،  شاتيلا". ثم يقول في مقطع آخر "صبرا – تقاطُعُ شارعين ِ على جَسَدْ، صبرا – نزولُ الروح ِ في حَجَر ٍ، وصبرا – لاأحدْ، صبرا – هوية عصرنا حتى الأبدْ"..

ثم بعد بيروت، حروب أخرى.. ومجازر أخرى.. مجزرة جنين عام 2002 ثم الهجوم على جنوب لبنان عام 2006.. ثم الهجوم على غزة عام 2014، غزة التي تعاني حتى اليوم من حصار خانق ونكبة انسانية متعددة الأشكال.

في عام 2006 تمكنت المقاومة اللبنانية الباسلة من مواجهة العدوان الإسرائيلي وصده وإلحاقه هزائم هائلة مشكلة بذلك نوع من الردع والتوازن العسكري الجديد، كما أن الشعب الفلسطيني الأعزل يستمرحتى اليوم في المقاومة السلمية بكل الأساليب البدائية المتاحة له: طائرات ورقية حارقة، إطارات من الكاوتشوك، حجر، وأهم من ذلك المسيرات الشعبية الحاشدة، وخاصة مسيرات العودة والتي تنطلق في كل مدن التواجد الفلسطيني مساندة لأهل غزة ومن أجل تحقيق الحلم الفلسطيني بالعودة الشاملة، حيث أن تحقيق هذا الحلم وهو الأسلوب الوحيد لقلب المعادلة الحالية ولمواجهة النكبة الفلسطينية الأولى التي أدت إلى اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتشريده عبر المدن وخاصة العربية منها، والتي تناسى  معظم مفكريها وقاداتها أن النكبة بمفهومها الشامل والأصلي، هي نكبة كل العرب وإنها لا زالت مستمرة بشتى الأساليب الخفية والمعلنة ضدهم.

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت. - khalaf.noha@gmail.com