2018-05-07

ما لكم كيف تحكمون؟


بقلم: خالد معالي

بين نقابة المهندسين الأردنيين، وبلديات تونس، حكاية طويلة من السير والزحف البطيء والتعثر احيانا، نحو حرية الاختيار، والتي بها نلحق بركب الامم المتحضرة، ومهما كانت النتائج لاحقا، فإنها تبقى افضل مليون مرة من سفك الدماء والصراع على السلطة بطريقة غير مقبولة كما يجري في البلدان العربية، والذي نحن الفلسطينيون جزء منه، كون التداول السلمي للسلطة بحرية وعدالة، هو الحكم لمن هو الافضل لاستلام دفة القيادة.

وبعيدا عن التهويل وتضخيم الامور والتعصب الاعمى والتقوقع ونظرية الكهف، لأي جهة كانت كما يحصل عادة في عالمنا العربي في فلسطين منه، فإن تكرار الانتخابات بشكل دوري منتظم يخرج ويستثمر الطاقات الكامنة، بدل هدرها في مناكفات وصراعات احيانا تتخذ صفة الوحشية لتدمر الاوطان.

ما جرى من خسارة الاخوان في نقابة المهندسين الأردنيين وفوزهم وتصدرهم لانتخابات بلديات تونس، بحاجة الى تحليل علمي يستند للعقل ومنطق الامور وطبيعة الأشياء بعيد عن حالة الاستقطاب الحاد، والمناكفات وإصدار الاحكام العشوائية التي تفتقر للأدلة المعقولة والمقبولة، وعن الشحن المتواصل على طول الاربع والعشرين ساعة دون توقف سواء على الساحة الفلسطينية أو العربية.

عادي جدا، تفوق في تونس وخسارة في الأردن، وهو يعني بطلان مقولات الكثير من الكتاب والصحفيين الذين يقولون بانحسار المد الاخواني بعد الثورة المضادة في مصر، وهو ما يشير لحالة من الوعي لدى الشعوب العربية.

ستبقى فوز وخسارة الاخوان المسلمين كونهم اقوى جماعة اسلامية رائدة في العالم الاسلامي، في حالة مد وجزر، وستبقى حالة عادية وجدلية تتبع قوة ونشاط  الاخوان هنا وهناك، وحسب الظروف المحيطة لكل بلد، والمرحلة السياسية التي تمر فيها، فبين مد وجزر سيذهب الزبد جفاء، وما ينفع الناس سيمكث في الارض.

الانتخابات ونتائجها؛ تحصل في  اجزاء من العالم العربي - فلكل فعل رد فعل- والشعوب تراقب وتقرأ الاحداث بطريقتها وتقيم كل الحالات، لو كان الاخوان انتهوا كما يقول البعض سواء تحليلا او كرها وبغضا، لما فازوا في تونس، ف"ما لكم كيف تحكمون".

بين طروحات الحكام وبرامجهم التي جعلت المال العربي ملكا لترامب، وبين طروحات الاخوان المسلمين التي ترفض الابتزاز الأمريكي يوجد مواطن عربي يراقب ويستنتج، ومن ثم يؤيد هذه الجهة او تلك.

حالة من الجدل الحاد بين النخب السياسية من الصف الأول تصل للشارع العربي والفلسطيني مع خصوصية الحالة الفلسطينية لوجود احتلال، حول برنامجين مختلفين يزداد وضوحا كل يوم وبشكل جلي مع مرور الوقت، "ليتذكر من تذكر".

يزيد أو ينقص حجم التأييد لجماعة الاخوان المسلمين في الوطن العربي، حسب الظروف والتحولات في المجتمعات العربية. لا أحد ينكر أخطاء وقعت هنا وهناك خاصة التكتيتكية منها فهي تجارب انسانية حركية تحتمل الخطأ والصواب ولا أحد معصوم.

من المؤسف أن ترى قراءات للانتخابات في الصحف وغيرها من وسائل الاعلام بعيدة عن العلمية والمنطق في فهم الأمور بل هي تعصب وتهجم وتصورات تفتقر للحد الادنى من الموضوعية والصدقية، وهي تعصب وتحزب أعمى يعطل الطاقات وتعمل على تراجع الحالة المتقدمة للوعي العربي الجمعي، كمقولة انتهاء عصر وحقبة الاخوان المسلمين، وكأنه يوجد بديل أفضل منهم، مع ان البدائل توجت اما بطريقة السعودية او الطريقة الايرانية، وكلاهما فيهما نقاط ضعف، فالأولى رهنت نفسها لترمب، والثانية فكرها ضعيف في فهم الكون والحياة، وعقائد لا تركب على العقل الرشيد.

لا أحد ينكر توفر ظروف موضوعية وذاتية لطرف ولآخر، هي أفضل بكثير من الطرف الآخر   ولكنها تبقى رهينة ظروف محيطة سرعان ما تتبدد ولا يبقى الا ما هو راسخ في قلوب وعقول المواطنين، مما يتطلب دراسة جدية ومراجعة دقيقة من كل طرف لمحيطه وبرامجه بناءا على النتائج الأخيرة، فكسب قلوب الناس وعقولهم يبقى ويدود ... ويدوم، وأفضل بكثير من كسب جيوبهم التي سرعان من تفرغ.

نتائج الانتخابات ترينا الى أي مدى هناك ضرورة لرص الصفوف، ولو ضمن الحد الأدنى، لانه ثبت وبالوجه القطعي صعوبة واستحالة نفي الآخر أو القضاء عليه أو اقصائه كونه جزء أصيل مهما مورس بحقه من أساليب سواء أكانت صحيحة أم خاطئة وهو ما أثبتته نتائج الانتخابات المتتالية،  وبعد تجربة سوريا واليمن بات الشعب العربي يتقبل نتائج انتخابات ديمقراطية ويتعايش معها كونها الوسيلة الافضل ضمن ما هو متاح في الوصول الى الاهداف المرجوة، وليس حروب وفتن وخراب البلاد والعباد.

أن تكون الشعوب العربية ومن بينها الشعب الفلسطيني لا يوجد فيه غير لون واحد هذا مخالف لطبيعة الاشياء وهو غير مطلوب، وأن يكون هناك ألوان واطياف متعددة تلتقي وتختلف في الكثير من الامور هو أمر عادي جدا، لكن ان يأخذ هذا الاختلاف ويستزف الطاقات عبر صراع محموم يأخذ اختلاق الاكاذيب ومن ثم الشتم والرد والضرب ويصل لحد القتل فهو مرفوض قطعيا وخط أحمر.

الكل يعلم ان المستفيد الوحيد من الفتن والحروب العربية الداخلية وحالة الانقسام الفلسطيني هو الاحتلال، وسوق السلاح الامريكي والغربي عموما، فهل هذا يصح ان يدوم، اين الحكمة والتصرف بعقلانية، لننظر الى الكوريتين كيف تصالحتا بعد حروب مدمرة، ونتعلم منهما كيف ان الاقتتال الداخلي مدمر ولا بديل عن التصالح.

الاختلاف في الرؤى والطرق والأساليب لا يفسد للود قضية؛ كقبول نتائج الانتخابات وهو ما حصل بالاردن وتونس، ويكون تلاقح الافكار واختلافها بأسلوب علمي يؤدي للتطور والنهوض هو المطلوب حتى نعطي نموذج طيب وفريد للعالم.

* إعلامي فلسطيني يقيم في بلدة سلفيت بالضفة الغربية. - maalipress@gmail.com