2018-05-04

"دولة حتى النصر"..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

لا يمكن تجاهل أهمية الدولة في حياة الفرد، وربما لا أحد يعرف قيمة الشيء أكثر ممن يفتقده، وهذا ما كان عليه وضع الفلسطينيين، خصوصاً نهاية الثمانينيات من القرن العشرين. وكثير من الناس في أماكن كثيرة حول العالم، يحبون مهنهم وأعمالهم، ويحبون أجهزة "الدولة" التي يعملون فيها، لأنها تعني لهم تحقيق الذات، والاستقرار، حتى أنّ البعض يستخدم تعبير "ابن الدولة"، ما قد يعني في بعض الحالات، أن علاقته معها، تفوق مجرد العمل.

لعل البعض يذكر مشهدا في نشرة أخبار، عندما دخلت القوات الفلسطينية، عائدة من الشتات أواسط التسعينيات، كيف قفز شاب من غزة داخل الحافلة للقاء "الجنود" العائدين، وبكى بكاءً مُراً، وهو يخبرهم "انتظرتكم كثيراً"، وهم يعانقونه ولا يدرون كيف يتعاملون مع الموقف الذي فاجأهم. هل شعر حينها بالأمان الذي حُرم منه بوجود جنود الاحتلال؟ هل ندم لاحقاً على مشاعره؟

حالة هذا الشاب لا تنفصل عن أن الدولة كانت حلما فلسطينيا رومانسيا، وليس أدلّ من ذلك أنّ أحد أشهر الأعمال الغنائية التي ظهرت أثناء الانتفاضة الأولى، نهاية الثمانينيات، كان ألبوم "دولة"، للفنان، الطالب في بيرزيت حينها، ثائر راغب البرغوثي، من تأليف والده.

ويروي أصدقاءٌ يعملون في جهاز الإحصاء الفلسطيني، قصصاً عن كيفية تحدي الاحتلال الذي حاول إعاقة عملهم، وتحديهم حظر التجوال مثلا، ومنعهم من العمل، بارتداء موظفة مثلا (أثناء انتفاضة الأقصى) مريول مدرسة متنكرة به لتصل عملها. والإحصائيون الذين تحدوا الإغلاقات بامتطاء الحمير بين الجبال للوصول لمواقع العمل. ويصف مسؤول في وزارة الداخلية كيف أحضر متطوعين في البداية للعمل ليل نهار لإنجاز الملفات التي يحتاجونها والتي تراكمت فجأة عندهم.

ما حدث منذ العام 1993، على الأقل، هو تغليب مشروع الدولة على مشروع التحرر، أو اعتبار الدولة وبنائها تحت الاحتلال، وبالتفاوض معه، هو الطريق للحرية، وهو ما كان مشروعا نضاليا تحرريا، ولكن اتضح أنه غير واقعي، لأن الطرف الآخر غير معني بالسلام حتى لو أعلن الفلسطينيون صباح مساء إيمانهم بالدبلوماسية والوسائل السلمية. ثم أصبحت الدولة ومؤسساتها، بما فيها الأمنية، تشكل أو تعيش، معضلة، هي أنّ الدولة لم تنجز ولم تستقل. صار المناضلون في كثير من الحالات موظفين، وصار الانتظام في العمل والاستقرار شرطا لتدفق الراتب، الذي زادت أهميته، مع الديون من البنوك لشراء الشقق والسيارات. وصارت الأجهزة الأمنية أمام معضلة أن المرحلة مرحلة تحرر، ووظيفتها حفظ الاستقرار والأمن، وكثيرا ما بدت، على الأقل للبعض، أن متطلبات المواجهة مع الاحتلال والاستقرار متناقضان.
 
لقد تحول شعار "ثورة حتى النصر"، ضمنياً أو بالأمر الواقع، إلى "دولة حتى النصر"، أو "سلطة حتى الدولة"، وأصبح هذا هو شعار المرحلة ككل. وهو بشكل أو آخر شعار مقبول وشرعي، ولكن اتضح فشله، لأسباب أهمها الاحتلال.

لعل الخروج من شعار "دولة حتى النصر"، إلى شعار جديد، أو قديم، أصبح مهماً، ولعل شعار منظمة التحرير الفلسطينية، "وحدة وطنية.. تعبئة قومية" أمر أساسي. ولكن على أن يصاحب الشعار القديم، فكر جديد كلياً لكيفية التعبئة الوطنية الجديدة، العابرة للحدود، وكيف يكون تجسيد الدولة عبر مقاومة وصمود من نوع مختلف.

أول الأسس، تأكيد وحدانية الشعب الفلسطيني بساحاته الثلاث "الداخل، الشتات، 1967". ثم إعادة تشكيل أطر عمل المجتمع الفلسطيني (مؤسسات الاجتماع السياسي)، على أسس تراعي "الوحدة والتنوع"، والوحدة واضحة، هي وحدة الشعب الفلسطيني، والتنوع هو مراعاة الخصوصيات القانونية والسياسية والديموغرافية بحسب تفاوت الساحات.

بموجب التفكير الجديد مثلا، فإن اتحاد الطلاب أو المهندسين، أو الأطباء، أو رجال الأعمال، يجب أن ينشئ نوعا من الكونفدرالية التي تُضمنَ فيها أطرا مختلفة، ليس بالضرورة كأفراد، بل أيضاً كممثلين عن مؤسسات وجمعيات متخصصة، فتصبح مظلة أفراد ومؤسسات على السواء. والهدف من هذا مثلا أن اندماج الفلسطينيين في الاتحاد ضروري، ولكن يجب مراعاة خصوصية أماكن وجودهم، وهذا ينطبق على قطاعات أخرى، ولكن يمكن أن تخطط وتتكامل معاً. واستخراج أنماط استثمار وإنتاج، تمزج بين الحصول على الحماية الدولية للاستثمارات الكبيرة، واتساع قاعدة المشاريع التعاونية والصغيرة في المستويات الشعبية.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com