2018-04-24

عهد التميمي والتحقيق الوحشي في أقبية الاحتلال


بقلم: ناجح شاهين

حكمت المحكمة على عهد بالسجن ثمانية أشهر لأنها صفعت جندياً، بينما حكم على الجندي الذي قتل فلسطيني بدم بارد ..الخ هكذا تقول دعايات ترعاها "مشكورة" منظمة العفو الدولية. شاهدت مثل غيري التسجيل المسرب (من الشين بيت؟) والذي يظهر فيه محققان يستجوبان عهد بدون وجود محاميها. تخيلوا بدون وجود محامي..!

ماذا نفهم من هذا الخبر؟ ان  المحامي ملح ضروري في التحقيق مع المعتقلين الفلسطينيين؟ على رأي المواطن البريء: "هذا احنا عايشين في سويسرا"..!

كنت في التوجيهي معتقلاً في زنازين الخليل "العمارة" وجاءت تزورني بعد 15 يوماً من الاعتقال ممثلة الصليب الأحمر. كانت فتاة سويدية بيضاء طويلة جميلة، عيونها زرقاء تكاد تخلو من التعبير. كان رسغاي ينزفان من أثر التقييد لفترات طويلة والربط بـ "ماسورة" في الجدار لعشرات الساعات في كل وجبة. سألتني الصبية عن سبب نزف الدم من رسغي فضحكت وقلت لها: "أعطني سيجارة مارلبورو، ولا تهمتمي بما يحدث لرسغي".

كان الصحفي حمدي فراج في تلك الفترة معتقلاً في المسكوبية، وكان يربط (="يشبح") في السفق زمناً أسطورياً حتى يصل –مثل مئات المناضلين الفلسطينيين- إلى وضع يقضي فيه حاجته داخل ملابسه. بالطبع كان هذا مهماً من أجل إذلال المعتقل وانتزاع إنسانيته حتى ينهار. ومثلما يعرف جميعنا كانت أساليب التحقيق تعتمد على البطش الجسدي بانتزاع الشعر والضرب على الأعضاء التناسلية والصفع والركل وإطفاء السجائر في الجسد واستعمال الماء المثلج في ذروة البرد الشتوي ..الخ.

ليس ذلك بالجديد بالنسبة للقارئ الفلسطيني: كان التحقيق –ولم يزل- دموياً ورهيباً خصوصاً عندما يتعلق الأمر ب "الأمن" أو ضرورة إنقاذ الدم الإسرائيلي ..الخ.

أما بالنسبة للغة المستعملة من قبل المحقق فهي مثلما يعرف معظم أبناء شعبنا بفضل انتشار تجربة الاعتقال على نطاق واسع لغة قميئة تدرب عليها المحقق مستعيناً بما تيسر من مخزون العربية المحكية في فلسطين من شتائم جنسية وأخلاقية ..الخ وبالطبع كان يتم استخدام ورقة "العرض" والنساء والشرف من أجل إذلال المعتقل وقهرة بالاستفادة من نقاط "الضعف" الثقافية التي تخص المجتمع العربي والفلسطيني.

ليس من السهل على المناضلين الأشداء تحمل المعاناة التي تقتضيها تجربة التعذيب الرهيبة التي ترافق "التحقيق" من أجل الحصول على المعلومات بأي ثمن. بالطبع لا يستطيع أي فلسطيني أن يتعرف في التسجيل الذي يرافق التحقيق مع عهد التميمي على ما يحصل فعلياً في بلادنا.

لكن هذا يطرح تساؤلاً عادياً ليس فيه الكثير من الذكاء: ما الذي يريده "الشين بيت" من نشر التسجيل؟ وما الذي يريده "أنصار" عهد من الترويج له؟

لا نريد أن نتظاهر هنا بأننا نبحث عن اكتشاف العجلة أو الطاقة النووية من جديد. للاسف لا يحتاج المرء أن يكون عالماً في السياسة ليدرك أن الغايات من تسريب التسجيل لا تهدف إلى "فضح" الاحتلال، وإنما على العكس إلى إظهار لطفه والتزامه بالقواعد المنصوص عليها في الشرع الدولية. أما الطفلة عهد فهي لا تفعل –مع محبتنا الحقيقة للصغيرة الشجاعة- أي شيء استثنائي في مواجهة المحقق. إنها في النهاية ليست أحمد سعدات ولا يحيى عياش ولا عرفات أبومرشد. إنها صبية تذهب لمقاومة الاحتلال وهي تصطحب الكاميرا لتصور المشهد، وقد صفعت الجندي بالطبع وحصلت على تغطية إعلامية لم يحلم بها الجنرال "جياب" قاهر القوات الفرنسية والأمريكية نفسه.

بالطبع عهد بريئة دون أدنى شك، ولكن هناك من يستخدم عهد لأغراض لا تخفى على أحد.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com