2018-04-21

الشعبية والجمود السياسي..!


بقلم: عمر حلمي الغول

عشية إنعقاد دورات المجالس الوطنية المتعاقبة العادية والطارئة عادة ما تشهد الساحة السياسية جدلا ونقاشا ساخنا بين مؤيد ومعارض، وبين مساوم وساذج سياسيا، وبين رافع الشعار والمبادىء والمحكوم بعقد التميز، وبين المدافع عن الخيار، والمسكون بالهاجس الوطني والحسابات الفلسطينية العامة.

وأضيف لما تقدم بعد إنبثاق وتأسيس القوى الإسلامية في المشهد الفلسطيني من يسعى لتعطيل وتفكيك المؤسسات الوطنية الممثلة للشرعية الوطنية، وتقف على رأس هذة الإتجاهات حركة حماس، التي جاءت لتلغي التاريخ الوطني، وتشطب منجزات وميراث الشعب الوطني منذ تشكل ووجود وإعتماد منظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، ونفي المكتسبات السياسية، التي حققتها الثورة الفلسطينية المعاصرة. وهذا التيار المتناقض مع مصالح وثوابت الشعب ليس موضع النقاش والحوار هنا. لإن المستهدف فصائل منظمة التحرير والشخصيات الوطنية الديمقراطية، التي تقول الشيء ونقيضه، والمتناقضة مع نواظمها السياسية والوطنية العامة.

وقبل ان نناقش تلك القوى، أود التأكيد على حق كل قوة أو شخصية وطنية تبني ما تراه مناسبا من المواقف، والدفاع عن وجهة نظرها بما تراه مناسبا. لكن هذا الحق الديمقراطي، لا يغلق باب النقاش والحوار مع ذلك التيار من منطلق الدفاع عن المصالح الوطنية. بهدف تجسير المسافات بين المواقف المتباينة، وبلوغ الهدف المرجو للجميع.

وإذا توقف المرء امام موقف الرفاق في الجبهة الشعبية من عقد الدورة القادمة في 30 نيسان/ إبريل القادم، حيث أعلنت في أكثر من بيان رسمي رفضها المشاركة متذرعة من خلفيتها السياسية بعوامل واهنة وضعيفة وفاقدة القدرة على المحاججة المقنعة. وبالمناسبة ليست المرة الأولى للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تقاطع فيها دورات المجلس الوطني. بل هو نهج ثابت في سياسة الشعبية تاريخيا تجاه دورات المجلس الوطني، وفي كل مرة تعود الجبهة بمراجعة مواقفها العدمية، وتقر أخطاءها، وتعود مجددا لحاضنة الشرعية ومنظمة التحرير. إنطلاقا من إيمانها بأن المنظمة، هي الممثل الشرعي الوحيد، وتعتبرها منجزا وطنيا هاما لايجوز التفريط به.

مع ذلك ينطبق على مواقف الشعبية تجاه منظمة التحرير ودورات المجلس الوطني المثل الشعبي القائل: "اللي في فييّ لو قطعوا إيدي!"، او كما المقولة الشعبية "عادت حليمة لعادتها القديمة!"، لإن مواقف الشعبية وذرائعها تعكس غياب القراءة الموضوعية والجدية للحالة السياسية الفلسطينية العامة، حيث يتحدثون عن "مجلس وطني توحيدي"، و"العودة لمقررات اللجنة التحضيرية 2015"، وهنا يبرز أكثر من سؤال: من من القوى ضد مجلس وطني توحيدي؟ هل الرئيس محمود عباس ضد المجلس التوحيدي؟ أليس المجلس التوحيدي يشكل له ولموقعه في سدة الشرعية قوة إضافية في مواجهة التحديات؟ وهل حركة الإنقلاب الحمساوية معنية بعقد المجلس الوطني من اصله؟ هل لها مصلحة بتوحيد وتطوير المؤسسات الوطنية أم تريد إستباحتها والهيمنة عليها لتحقيق مآربها الإنقلابية؟ ولو إنتظرت حركة "فتح" وعلى رأسها الرئيس عباس لعام آخر من الحوارات، هل يمكن الرهان للحظة بقبول حركة "حماس" على عقد المجلس الوطني؟ وما هي الضمانة لذلك؟ وهل يجوز للوطنيين أن يساهموا من حيث يدروا أو لا يدروا بتبديد وتهميش دور الشرعية الوطنية نتيجة إبتزاز حركة "حماس"، أم عليهم الضغط عليها لحضور دورة المجلس الوطني، إن كانوا حريصين على المجلس التوحيدي؟ ولماذا لا يكون هناك إنسجام بين الإعلان عن التمسك بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وبين الواقع؟ لماذا هذا الإنفصام في الشخصية؟ ولماذا الغرق في متاهة الجمود السياسي، وأنا اقصد السياسي لا الفكري، لان الموضوع الأخير فيه تآكل وتدرن؟ وهل تواجه الأخطاء والتباين مع القيادة الشرعية باللجوء للمواقف الأقصوية، ام ان الضرورة تملي الحضور والدفاع عن الذات والمواقف الوطنية من داخل بيت المنظمة ومنبرها التشريعي الأعلى؟ واما بشأن مخرجات اللجنة التحضيرية، هل في الظروف الراهنة وتعقيداتها يمكن إجراء أنتخابات في بعض الدول لختيار أعضاء المجلس؟ وهل يمكن معالجة الإتفاق على عضوية المجلس الوطني مع حركة الإنقلاب قبل إلتزامها بالشرعية ومنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها؟ لماذا نعطيها (لحركة الإنقلاب) صكوك غفران، وتنازلات مجانية دون مقابل وطني، فضلا عن انها ستعطل دورة العمل، كما عطلتها منذ وجدت في الساحة، ومنذ إنقلابها الأسود على الشرعية قبل أحد عشر عاما؟ لماذا أعطيها الفيتو على مستقبل ومصير المصالح العليا والممثل الشرعي والوحيد مجانا؟ ولماذا لم تقم الشعبية ومن معها من فصائل العمل الوطني بالضغط على حركة "حماس" لتستجيب للثوابت الوطنية، أم ان هناك خشية من بعبع "حماس"، وفي الوقت نفسه إستقواء على الشرعية بحكم انها أم وأب الشعب العربي الفلسطيني؟

للأسف مواقف الرفاق في الشعبية لا تمت للواقعية والمصالح التنظيمية الخاصة والوطنية العامة بصلة، وفيها جنوح نحو الجمود والقصور السياسي الفاضح. ومع ذلك مازالت الفرصة مؤاتية لكل التيارات داخلها لمراجعة الذات والعودة للمشاركة في الدورة القادمة للمجلس الوطني، وهذا افضل الف مليون مرة لهم وللشعب والشرعية على حد سواء.

اما بعض الشخصيات الوطنية الديمقراطية، التي إنتهجت تاريخيا عبر إرتباطها بقوى يسارية بالخط الواقعي، وكانت ومازالت جزءا من القوى المدافعة عن منظمة التحرير وبرننامجها السياسي، فإنها مؤخرا لجأت لخيار المقاطعة، وهذا ليس إسلوبها، ولكن هذة الشخصيات نتيجة الأزمة البنيوية التي تعاني منها، وعدم قدرتها على قراءة حركة "حماس" ومعها جماعة الإخوان المسلمين، وخضوعهم لإبتزاز الشعار السياسي الغوغائي الحمساوي، وشعورهم بالإحباط والإنكفاء لجأوا لخيار التشدد، الذي لا يمت لتاريخهم السياسي بصلة، كنوع من أنواع إثبات الذات، ولكن بعد فوات الآوان. ومع ذلك اتمنى عليهم كل على إنفراد وبشكل مشترك مراجعة الذات، والعودة لجادة الصواب، لإن مشاركتهم في الدورة القادمة أشرف لهم كثيرا من النكوص والمراوحة في مواقع الجمود الفكري والسياسي، أو البقاء أسرى الخطاب الديماغوجي لحركة الإنقلاب المتناقضة مع المصالح العليا للشعب العربي الفلسطيني.

الدورة القادمة للمجلس ستعقد بكم وبدونكم، لأن النصاب السياسي والعددي موجود، فالأفضل مشاركتكم، ووضع إسهاماتكم لإغناء المشاركة التنظيمية والسياسية والمالية والإدارية والكفاحية. والقرار لكم.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com