2018-04-18

سوريا وكوريا بين الصين الصاعدة وأمريكا الهابطة


بقلم: ناجح شاهين

ليس الصراع الجوهري فيما نتوهم بين روسيا وأمريكا، وإنما هو بين الصين وأمريكا. شيء يذكر بالحرب الأوروبية الكبرى سنة 1939 عندما كان يبدو في الظاهر أن الصراع يتركز بين ألمانيا من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى. في الحقيقة –مثلما كشفت نهاية الحرب- كان جوهر الصراع هو وراثة بريطانيا العجوز من قبل أحد العملاقين الأمريكي أو الألماني. وقد كانت الولايات المتحدة بالطبع مؤهلة أكثر بكثيير من ألمانيا لوراثة أمها العجوز.

اليوم نبصر سلوكات أمريكية مفاجئة من قبيل النزوع نحو الحمائية الاقتصادية. لكن ليس في ذلك من مفاجأة بالمعنى الصحيح: لقد خسرت الولايات المتحدة قدرتها التنافسية في المجالات المختلفة حتى أن تفوقها في مجال الصناعات العسكرية ذاتها يتعرض للتهديد من السلاح الروسي. وهكذا تحاول الولايات المتحدة الاحتفاظ بالقمة عن طريق "القوة الفجة" الصريحة ودون أي جهد جدي لتسويغ هيمنتها في العالم. لكن الهيمنة المستقرة في حاجة إلى هيمنة ايديولوجية وثقافية تجعل المهيمن محط إعجاب "الجميع". وقد فقدت الولايات المتحدة هذه السمة. حتى أن زعيمها يبدو مهرجاً سخيفاً يثير الضحك عندما يهدد أكثر مما يثير القلق أو الخوف.

تناوش روسيا الهيمنة الأمريكية وتنازعها المكان والسلطان في آسيا وأوروبا و"الشرق الأوسط". ولا تجد أمريكا إلا الاستعراضات المكشوفة من قبيل قصف سوريا قصفاً محدوداً بعد زعيق مرتفع النبرة بحيث يبدو الفعل فعل قط أليف صغير عندما يقارن بالزئير المرتفع لأسد مخضرم هصور.

ولكن التهديد الاستراتيجي يأتي من الصين: هناك تخسر الولايات المتحدة في التنافس التجاري والصناعي وربما في الأجل القريب في مستوى العلم وإنتاج المعرفة. وفي مقابل الصراخ الذي مارسه ترامب تجاه كوريا الشمالية، تقدم الصين ألعابها السحرية المعتادة منذ عقدين من الزمن. يدخل كيم أون إلى ساحة المفاوضات مع ترامب بعد أشهر من التهديدات "الفارغة" من الجانبين. نتوهم أن المقصود هو جر كوريا الجنوبية بعيداً عن الولايات المتحدة وأن التالي لنقاش "تفكيك" النووي الشمالي هو التساؤل الصيني الحازم عما تفعله الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية. ولعل وصول الأمور إلى مستوى الوحدة الكورية الكاملة أن يشكل كتلة أكبر وأشد تهديداً للهيمنة الأمريكية.

إن مصالح كوريا الجنوبية اليوم ومثلها الشمالية هي في بكين وليست في واشنطون، وسوف تجد أمريكا في النهاية أن ترامب مثل الطفل البريء الذي يصدق في النبوءة دون أن يقصد: لا بد كما فكر ترامب من انسحاب أمريكا نحو الداخل وعدم عبور الأطلسي أو الهادي، إذ لم يعد الملعب الدولي متاحاً مثلما كان خلال الستين سنة التي تلت الحرب. الصين تصعد بقوة وتحتل الفراغ الذي تضطر أمريكا إلى تركه. ربما أن الصين تتحرك بشكل بطيء يجعل رؤيتها عسيرة بالعين المجردة، لكن عقداً أو عقدين على الأكثر سوف تنقل الصين إلى موقع المزاحم المباشر، إن لم يكن البلد المهيمن الأول في العالم. في هذه الأثناء لسنا نعرف على وجه الدقة ما الذي سيكون عليه حال العرب وإسرائيل في السياسة الكونية والاقتصاد السياسي العالمي.

حتى اللحظة يتقن العرب دور التابع المنهوب الذي لا حول له ولا قوة. وينطبق هذا بالطبع أساساً على السعودية ودول الخليج، لكننا نأمل أن يكون لصمود سوريا دور في عالم جديد ما زال في سياق المخاض، ويعطي الفرص للشعوب الحية لأخذ موقعها تحت الشمس.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com