2018-04-18

أمريكا والعرب.. سياسة المكاييل المتعددة..!


بقلم: د. أماني القرم

هناك نهج يرافق السياسة الأمريكية: طالما أنت صديق للولايات المتحدة.. فأنت بمأمن من نقدها الممل حول حقوق الانسان والديمقراطية.. وصديق بقاموس واشنطن السياسي مصطلح معناه "المصلحة" وتفسيره في جملة مفيدة نحن الأمريكان مازلنا بحاجتك.. وقد بات هذا النهج جليًّا بفجاجة منذ أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي، حين انهار الاتحاد السوفيتي وأصبحت أمريكا تنفرد بالقيادة الدولية.. فلا مجتمع دولي يردعها ولا قوانين تحجمها.. ودأب الجميع مصطفًّا لطلب ودها ومشاركتها مصالحها..ومن خرج عن الصف متذمراً أو متمرداً فالاعلام جاهز لالقاء قصائد هجاء فيه تضم أفظع الجرائم وتصوره كمهدد لإبادة الإنسانية جمعاء.. ولا يشفع لهذا المتمرد أنه كان صديقاً مخلصاً في يوم من الأيام.. ولكن هذا غير مهم..

الضربة الأمريكية الثلاثية على سوريا قبل أيام أحدث مثال على ان الولايات المتحدة رائدة سياسة المعايير المزدوجة أو الكيل بمكيالين.. والتي تعني أن نفس الحدث في المجتمع الدولي يختلف تقييمه من قبل الآخرين بناء على التغير في العلاقات والمصالح بين الأطراف.. أو بتعبير أكثر بساطة حسب الكاتب البريطاني جيرالد سمور أن " الارهابي بالنسبة لشخص ما هو إلا مقاتل حر بنظر شخص آخر".

فهل تذكرون كولن باول حين تحدث في مجلس الأمن بثقة كاملة عن حيازة العراق لاسلحة دمار شامل.. وان لدى العراق مختبرات متنقلة للاسلحة الكيماوية.. وانها يمكن ان تطلق صواريخ سكود خلال 45 دقيقة هل تذكرون الخرائط الدقيقة والصور الكبيرة التي عرضها وتناقلها العالم أجمع؟ بعد عامين فقط  ثبت انه كاذب كبير باعترافه الشخصي.. ولكن بعد ماذا؟ بعد أن دُمر بلداً كاملاً عريقاً وأُزهقت عشرات الآلاف من الأرواح وانتهكت كرامة الانسان.. في المقابل كان ملعون الذكر أريئيل شارون في فلسطين المحتلة يقود حرباً تطهيرية ضد المدن والقرى الفلسطينية بأسلحة وغازات فتاكة لإسكات صوت الانتفاضة وإحكام الحصار على الراحل ياسر عرفات وهل تحركت واشنطن؟ أكيد لا..

العراق وسوريا واليمن وفلسطين والصومال وغيرها من تاريخ التدخلات الأمريكية لمصلحة لوبيات النفط والأسلحة، هي في الحقيقة حالات توضح ليس فقط  الازدواجية فحسب في المعايير الأمريكية بل التعددية في الحالة الواحدة.. فعلى سبيل المثال اين كانت حقوق الانسان والديمقراطية  حين تم استخدام الغازات الكيماوية من قبل صدام حسين في حلبجة 1988. كان وقتها صديقاً للولايات المتحدة، وتمثل رد الخارجية الأمريكية آنذاك ووكالة الاستخبارات العسكرية بأن ايران هي المسؤولة جزئيا عن الهجوم الكيماوي..! والمفارقة أن الموقف الأمريكي تغير جذريا لنفس الحدث بعد سنوات. فقد تم استخدام أحداث حلبجة  في عام 2003  كأحد الأدلة على  وجود أسلحة دمار شامل لدى العراق..!  اليوم يتكرر نفس السيناريو في سوريا مع مواقف أمريكية متعددة.. فمعاناة الشعب السوري لم تبدأ أمس أو قبل أيام والضربة الأمريكية سواء السابقة 2016 أو الجديدة لم توقف معاناة الشعب السوري المتعددة المصادر والأسباب.. والفرحون اليوم بالضربة الأمريكية على سوريا هم من سيتلقون غداً ضربات مماثلة تهز عروشهم وأنظمتهم وتقسم بلادهم.. فعند الأمريكان دائما المبررات الأخلاقية حاضرة تخفي في طياتها سياسات مصلحية وأهداف لتغيير البنى الجيوسياسية للوطن العربي أو ما تبقى منه.

إنها سياسة المكاييل المتعددة..!

* الكاتبة اكاديمية تقيم في قطاع غزة. - amaney1@yahoo.com