2018-04-17

سوريا ووهم الديمقراطية..!


بقلم: ناجح شاهين

"ليس هناك أية فرصة في السياق التاريخي الراهن للتحول "الديمقراطي" الليبرالي في سوريا أو ليبيا أو مصر ناهيك عن اليمن البدوي الأمي...الخ ومن يقول بذلك إما أنه يطبل في جوقة ترامب وماكرون، وإما أنه يشتغل في تربيع الدوائر وتدوير المربعات." ن.ِش

***   ***

الديمقراطية الليبرالية مثلما ولدت في سياق الرأسمالية الصناعية في انجلترا وابنتها امريكا ثم غرب أوروبا وكندا هي شأن خاص بهذا اللون من التطور التاريخي، وهي بخيرها وشرها غير قابلة للاستنساخ.

كنت افكر دائما في "موت" الديمقراطية الليبرالية المصرية ذات النكهة الخفيفة جداً أيام الملكية وتحت الاحتلال الانجليزي. فقط عندما يتحقق الاستقلال ويتجانس المجتمع ويصبح علمانياً من ناحية جوهرية، ويبني اقتصاداً صناعياً متطوراً، ويوفر مقداراً من الرفاه للطبقات المختلفة، إضافة إلى هيمنة طبقية قوية للبرجوازية، فقط عند ذاك تصبح الديمقراطية ممكنة.

بهذا المعنى كانت سوريا بعد حافظ الأسد من أقرب دولة عربية إلى وهم التحول الديمقراطي الليبرالي إن خيراً أو شراً. لكن الهجمة الاستعمارية/الأصولية المجنونة أجهضت ذلك البناء، وقد تكون فعلت خيراً لأنها في رأينا أعادت النخب السورية إلى إيلاء الاهتمام الأساس بالاستقلال والبناء.

للأسف لا يدرك الحالمون في بلادي ووكلاء الأنجزة الغربية أن الديمقراطية الرأسمالية تحتاج اولا بناء الصناعة والاستقلال السياسي والاقتصادي وبناء الأمة والمواطنة. يعني حتى لو كان خيارهم معاديا للاشتراكية فإن وصفة الديمقراطية تحتاج اولا إلى بناء الوطن والأمة كما فعلت اليابان مثلا.

فقط عندما تستقر طبقة رأسمالية صناعية وتحقق الهيمنة الأيديولوجية تصبح الديمقراطية الليبرالية ممكنة تاريخيا، لأن تداول السلطة ينحصر عندها بين أحزاب تتنافس على حماية الهيمنة الرأسمالية.

أما خلاف ذلك فالديمقراطية تعني تفكيك الامة، وبعث أشكال الانتماء الاثنية والطائفية وتدمير المجتمع.

لا علاقة أبداً فيما نزعم بين برنامج "دولة الخلافة" وبين الديمقراطية. ولا أمل في إقامة الديمقراطية عن طريق الثورات المدعومة من الاستعمار العالمي ودول النفط: تخيلوا كم هو مضحك بالفعل أن تقف دول النفط وراء "الثورات" الديمقراطية وهي التي تعيش خارج العصر الحديث كله.

نزعم أن الاستقلال السياسي والاقتصادي وبناء الأمة/المواطنة هو "مطلب" التاريخ في هذه اللحظة. ونظن أن هذا هو ما تقوم به سوريا. أما مسار "الثورات" الواقعي لا الموهوم فقد شاهدناه بوضوح كاف: دمار ليبيا واليمن وعودتها إلى العصور البدائية، وإعادة إنتاج النظام نفسه في تونس ومصر.

حاشية: أوضحنا أيام تجمع الناس في ميدان التحرير وليس بعده، أي قبل سقوط مبارك، أن "الثورة" في مصر لن تذهب إلى أي مكان بسبب غياب "الكتلة التاريخية" والرؤية التي تقود إلى الثورة. والمشكلة أن الثورة بأي معنى جدي لا بد أن تعني في هذه اللحظة ثورة ذات مضامين اشتراكية ومعادية للاستعمار. لكن الهيمنة في "الشارع" المصري، كانت لأصحاب الاتجاهين الديمقراطي الليبرالي والأصولي الإخواني، وهو ما سمح لنا بإدراك أنها "ثورة" تراوح مكانها.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com