2018-04-13

صراع الشرعيات بين مسيرة العودة وجلسة المجلس الوطني


بقلم: ماجد نمر الزبدة

أعد هذه الورقة السياسية أ. ماجد الزبدة عضو معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية، وشارك في صياغتها كل من د. حسام  الدجني الكاتب والمحلل السياسي، و أ.محمود مرداوي الكاتب والمحلل السياسي.

ثلاثة وعشرون عاماً مضت على انعقاد آخر جلسة عادية للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1996 (عدا جلسة طارئة تم عقدها عام 2009)، هذا المجلس الذي يعتبر أعلى هيئة تمثيلية للشعب الفلسطيني إلا أن الأجيال الفلسطينية المتلاحقة وبفعل هذا الانقطاع الزمني أضحت لا تعرف أسماء أعضاء المجلس أو تعدادهم في ظل وفاة العشرات منهم وتجاوز أعداد أخرى العقد السابع أو الثامن من عمره، وفي ظل احتكار حركة "فتح" للقرار الفلسطيني فقد دعا محمود عباس رئيس حركة "فتح" ورئيس السلطة الفلسطينية –التي تسيطر عليها فتح- إلى عقد جلسة للمجلس الوطني نهاية إبريل/نيسان الحالي داخل مقر الرئاسة الفلسطينية في مدينة رام الله المحتلة بما تمثله هذه الدعوة من رغبة في حرمان قوى المقاومة الفلسطينية – وفي مقدمتها حركتي "حماس" والجهاد- من المشاركة في تلك الجلسة نظراً لسيطرة الاحتلال المطلقة على الضفة الغربية.

مبدأ انعقاد المجلس الوطني تحت حراب الاحتلال وفي هذا الظرف السياسي الحساس الذي تتعرض فيه القضية الفلسطينية لأخطر فصول التصفية يدلل على طبيعة تفكير الرئيس ومستشاريه، وإلى أي درجة من الانعزال والشعور بفقدان الأمل بعد انهيار مشروع التسوية دون أن يعيد الحقوق أو يضمن إعادتها في المستقبل، بل أسهم في التسبب فيما تتعرض له القدس واللاجئين والثوابت الفلسطينية جراءه للخطر

في ظل هذا الشعور بالوحدة والانعزال في المقاطعة يأتي مفهوم تجديد الشرعيات، لكن على ما يبدو ستكون النتيجة نهاية النظام السياسي الذي يشكل وعاءً لتلك الشرعيات، إذ أن التداعي لانعقاد المؤتمر في أواخر نيسان بطريقة تتجاهل حضور وتأثير فصائل المقاومة في المشهد السياسي والوطني في الداخل والخارج يعتبر وصفة سحرية لاستدامة الخلافات الداخلية التي تؤبد غياب الوحدة والاجتماع على رؤية سياسية ونضالية موحدة، الأمر الذي سيؤثر على مجمل الأوضاع في فلسطين داخلياً، وعلى مستوى مستقبل القضية إقليمياً ودولياً.

دعوة عباس إلى عقد جلسة المجلس الوطني تهدف بشكل واضح إلى تجديد شرعيات أفِلت منذ زمن لمؤسسات وهياكل منظمة التحرير الفلسطينية كافة، بدءاً بالمجلس الوطني ومرورا بالمجلس المركزي وصولا إلى لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

إعلان الجبهة الشعبية -القوة الثانية في منظمة التحرير- عدم المشاركة في جلسة المجلس الوطني المقبلة وتحذيرها من خطر ما يترتب على انعقاد هذه الجلسة داخلياً وخارجياً، واشتراطها أن تكون أية مشاركة فصائلية متوافقة مع مخرجات اجتماع بيروت 2017 وبمشاركة جميع القوى الفلسطينية وفي مكان يسمح للفصائل الفلسطينية كافة بالمشاركة وفق المعايير والشروط التي يتم التوافق عليها لن يثنيَ عباس عن الاستمرار قُدماً في عقد تلك الجلسة بمن حضر، ذلك أن حاجة حركة "فتح" لتجديد شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني باتت مُلِحّة، فمشروع التسوية والذي تمثل اتفاقية أوسلو صُلبه وظهيره قد وصل إلى خاتمة مأساوية مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن "صفقة القرن" الأمريكية التي أنهت عمليا حلم إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وأثبتت فشل اعتماد الحركة سياسيا على الوسيط الأمريكي الذي أضحى بين عشية وضحاها خصماً لدوداً للطرف الفلسطيني.

إن هذه الدعوة لانعقاد المجلس الوطني في رام الله مرفوضة شعبياً وفصائلياً، وحتى في داخل حركة "فتح" تلقى رفضاً كبيراً، ولم نجد أية قوى فلسطينية حتى من بين القوى الموافقة على الحضور تسويقاً مبرراً لهذا الانعقاد، إنما لا تملك تلك القوى القدرة على اتخاذ القرار لاعتبارات كثيرة.

رغبة حركة "فتح" في التهرب من استحقاقات المصالحة الفلسطينية بما تفرضه من شراكة سياسية وتوافق فلسطيني على مرحلة ما بعد عباس -في ظل تقارير تشير إلى تراجع حاد في قدراته الصحية-، دفعت الحركة إلى التهافت على عقد جلسة جديدة للمجلس الوطني سعياً منها إلى تعيين نائب لعباس بهدف قطع الطريق على "حماس" التي يشغل ممثلها منصب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني والذي ينص الدستور الفلسطيني على تبوئه قانونياً منصب رئاسة السلطة الفلسطينية حال شغوره، إضافة إلى رغبة "فتح" باعتماد المجلس الوطني الجديد برلماناً للفلسطينيين وإلغاء المجلس التشريعي الفلسطيني المؤسسة الشرعية التي سيطرت عليها "حماس" عقب فوزها الساحق في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006.

لا شك أن صراع الشرعيات بات على أشدّه بين حركتي فتح وحماس، خاصة مع نجاح الأخيرة في حشد عشرات الألوف من الفلسطينيين في مسيرات العودة الكبرى، هذه المسيرات الجماهيرية الحاشدة التي خرجت في مختلف محافظات غزة إحياءً لحق العودة الفلسطيني في ذكرى يوم الأرض دشنت مساراً استراتيجيا جديداً على صعيد شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني.

فالشعب الفلسطيني في غزة الذي عانى حصاراً امتد على مدار أحد عشر عاماً متواصلة وعقوبات من السلطة الفلسطينية منذ اثني عشر شهرا طالت مختلف فئات المجتمع الفلسطيني بهدف دفعها للتخلي عن المقاومة، خرج بعشرات الألوف في ذلك اليوم المشهود ليقول كلمته المدوية بأنه لم ولن يتخلى عن مقاومة المحتل وإصراره على حقه في العودة إلى فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين.

نجاح قوى المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها "حماس" في تنظيم هذه الحشود غير المسبوقة في مواجهة دولة الاحتلال فاجأ القوى الإقليمية والدولية التي ظنت حتى عهد قريب بأن نجم غزة قد أفل بفعل انكفاء أبناءها نحو معاناتهم التي تفاقمت بعد تشديد الحصار، فإذا بها تبادر إلى حدث سياسي وميداني يؤكد تمسكها بشرعية المقاومة وفي المقابل ينزع الشرعية الشعبية عمّن شارك في حصارها.

إصرار حركة "فتح" على انعقاد جلسة المجلس الوطني داخل الضفة المحتلة بهذا التوقيت وهذه المواصفات وبما يحمله ظاهريا من تجديد لشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني سينتج عنه تداعيات خطيرة على وحدة الشعب الفلسطيني، ويؤثر على مكانة البيت المعنوي للفلسطينيين تأثيراً خطيراً، سيجد له انعكاسات سلبية للغاية على مستوى التمثيل وإدارة الصراع ووحدة الشعب، والقدرة على التحرير وتقرير المصير.

إن مقاطعة فصائل أعضاء في المنظمة لجلسة المجلس الوطني المقبلة إضافة إلى حرمان فصائل المقاومة الفلسطينية من المشاركة، وما قد ينتج عن تلك الجلسة من قرارات تتجاوز القانون الأساسي المعدل لعام 2005م مثل استحداث منصب نائب الرئيس وحل المجلس التشريعي يضع قطاع غزة أمام ثلاثة خيارات:
الأول: المناورة والانتظار لحين وفاة الرئيس محمود عباس.
الثاني: الاذعان والقبول بتلك التغيرات.
الثالث: مواجهة الانقلاب الدستوري بحماية الشرعية من خلال عقد جلسة للمجلس التشريعي وانتخاب مكتب جديد والتصويت على تعديلات دستورية لمواجهة نتائج جلسة المجلس الوطني.

إصرار رئيس السلطة الفلسطينية على عقد تلك الجلسة – وهو المتوقع- قد يدفع غزة إلى عدم الاعتراف بشرعية تلك الجلسة ومخرجاتها السياسية، والعمل على تشكيل جسم فلسطيني موازٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية، خاصة وأن كتلة "حماس" البرلمانية تستطيع ضمان ثلثي نواب المجلس التشريعي بالتحالف مع كتلة "فتح" – التيار الإصلاحي التابع للنائب محمد دحلان- ومن ثم العمل على تشكيل حكومة انقاذ وطني تنال الثقة من المجلس التشريعي وهذا يتم بعد سحب حماس شرعية حكومة التوافق، وبذلك يكون أبرز ملامح المشهد انفصال سياسي بين الضفة وغزة لفترة زمنية قد تطول.

من الواضح بأن تداعيات جلسة المجلس الوطني ستضرب عمق الوحدة الفلسطينية الداخلية، وستمتد آثارها إلى خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسنجد أنفسنا أمام صراع على شرعيات فلسطينية تؤدي إلى انقسام سياسي فلسطيني جديد، وهذا من شأنه أن يُضعف قدرة حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية نفسها على تمثيل الكل الفلسطيني.

* الكاتب يقيم في قطاع غزة. - majedzebda2@gmail.com