2018-04-11

مسيرة العودة ما بين الأهداف التكتيكية والإستراتيجية


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لا خلاف بين كل المراقبين والمحللين للشأن السياسي الفلسطيني أن مسيرة العودة بطابعها الجماهيري الواسع إبداع جديد في أشكال النضال الفلسطيني من الحجر للسكين وقبلها العمليات داخل إسرائيل، وما قد تشكله.. أنها إدراك سياسي بأهمية العمل السلمي وتأثيره في مسيرة نيل الحقوق الفلسطينية. وهو إدراك سليم ونتيجته كانت سريعة في التعاطف الدولي والتنديد بالقوة المفرطة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي وأدت إلى سقوط عدد كبير من الشهداء المدنيين العزل من السلاح.

اليوم تقف المسيرة السلمية في الخطوط الأمامية، والمقاومة العسكرية من خلفها. ويبقى السؤال او السؤلان: هل من رؤية إستراتيجية واضحة للمسيرة، والسؤال الثاني هل من اهداف واضحة برؤية واضحة وآليات قابلة للتنفيذ؟

قد يكون من الصعب الحديث عن رؤية وأهداف وطنية شاملة وواحدة بسبب تعارض الرؤية والأهداف نتيجة الإنقسام السياسي البنيوي بين حركة "فتح" والسلطة وحركة "حماس". وفي هذا السياق ينظر للمسيرة وكأنها عمل وفعل شعبي مركزه غزة. لكن لا يمكن القول انه لا توجد اهداف يسعى لتحقيقها منظموا ومسيروا المسيرة، وهنا الدور الرئيس لحركة "حماس" القادرة على الحشد والتعبئة الجماهيرية.

ولو بدانا بالأهداف الإستراتيجية البعيدة المدى وتتلخص في عودة كل اللاجئين، فهذا من الأهداف الرمزية، فالحديث عن عودة ستة ملايين وأكثر من اللاجئين فهذا أقرب إلى الأهداف غير القابلة للتحقق في هذا الزمن، ومن منظور مقاربات القوة والواقعية فقد يقع في إطار الأهداف المستحيلة الآن، ولذلك الهدف له رمزيته التاريخية والسياسية والتأكيد على مشكلة النكبة، وقضية اللاجئين، وكأن الرسالة هنا واضحة انه لا حل للصراع مع إسرائيل دون الوصول إلى تسوية لهذه المشكلة.. والرسالة الثانية ان حق العودة حق تاريخى لا يمكن إسقاطه أو التنازل عنه. فالهدف هنا رسالة اكثر منه قابلية للتحقيق، ويرتبط بالرؤية لديمومة الصراع.

اما الأهداف التكتيكية وهي الأهداف القابلة للتحقق والإستجابة فترتبط بالواقع السياسي العام الذي ترتبط به القضية الفلسطينية وبالواقع الخاص لغزة، وبالأهداف التي تسعى حركة "حماس" لتحقيقها من هذه المسيرة طالما أننا نتحدث عن ان حركة "حماس" هي الفاعل الرئيس لتحريك هذ المسيرة، فهنا لا يمكن تجاهل الأهداف التي تسعى لها، حتى لو كانت غير معلنة، او ان تعلن في إطار الأهداف العامة لغزة حتى تكتسب شرعية وقبولا أكثر. وهذه الأهداف ترتبط بالواقع السياسي والأمني والإقتصادي والإجتماعي وما تعانيه غزة من مشاكل الفقر والبطالة.

ولعل من إبرز هذه الأهداف أولا جعل قضية غزة تعود للصدارة كما كانت منذ ان سيطرت "حماس" على غزة ووفود سفن الدعم والإغاثه الإنسانية. وهنا يبرز هدف رفع الحصار والمعابر، وفي هذا السياق يمكن ان تحقق المسيرة شوطا بعيدا في التخفيف او حتى رفع الحصار في سياق سياسي جديد. وهنا المعادلة السياسية للمسيرة والتي تحتاج لإدراك وحسابات سياسية دقيقة قد تخرج عما مرسوم لها.

في يقيني وقراءتي للمسيرة وأهدافها ان الهدف التكتيكي الذي قد يحكم دوافعها خلق واقع سياسي جديد بدلا من الواقع السياسي الذي قد تخلقه الحرب، ومن هنا الحرص والتأكيد على سلمية المسيرة وما يصاحبها من أنشطة، وفي الحرص على الحفاظ الأمني وعدم الإندفاع نحو المواجهة المباشرة، ففي حال هذه المسيرة من السهولة بمكان الدفع بها نحو الحرب بشكل مباشر، لكن لا يبدو ان هذا هو الهدف من المسيرة، لكن يبقى خيارا وإحتمالا قائما.

الواقع السياسي الجديد الذي تحاول ان تفرضه المسيرة، أولا انه لا بد من الإستجابة للمتطلبات الإنسانية والملحة لغزه برفع الحصار، وفتح المعبر وخصوصا معبر رفح الذي قد توفر له المسيرة المبرر لإتخاذ القرار بفتحه حتى على الرغم من موقف السلطة وربط فتحه بالكامل بعملية المصالحة المباشرة والشاملة والتي تعيد وجود السلطة إلى غزة وتمكينها بالكامل. هذا هو الهدف المباشر والآنى للمسيرة والذي من خلال تحقيقه تحقق الحركة أهدافها بتخفيف الضغوطات الإجتماعية التي قد تدفع نحو الإنفجار الداخلي وهو في غير صالحها، كما أن الحرب أيضا في غير صالح الحركة في هذا الآونة.

الهدف الثاني القابل للتحقق ولكنه يشكل المستوى الثاني للأهداف التكتيكية هو العمل على بناء مطار اممي، وإحياء مشروع ميناء غزة الذي يربط غزة بالعالم الخارجي، والهدف الآخر هنا الدفع في ان تتحول كل مصادر الجباية والضريبة للتبادل التجاري لغزة وفي هذا الشأن تحل كل مشاكل غزة والحركة معا. لكن ما تدركه الحركة، وما يسعى العالم لتحقيقه أن هذه الأهداف تحتاج لإطار سياسي فلسطيني عام وليس على مستوى الحركة، وخصوصا ان الحركة تتهم بالإرهاب، وبإدراج قادتها تحت هذا التوصيف. هنا قد يبرز الخيار الفصائلي وبمشاركة التيار الإصلاحي يمكن الشروع في انتخابات بلدية وسياسية تهيئ لتشكيل حكومة فلسطينية تحت مبرر فشل المصالحة وذريعة العقوبات التي تفرضها السلطة على غزة. وحتى يكتمل هذا الهدف تحتاج العلاقة مع إسرائيل إلى تقنين من خلال هدنة طويلة، وتقنين العلاقة مع  مصر بفتح المعابر وسيطرة الأولويات الأمنية والإنسانية.

هذه الأهداف قد تتعارض مع رؤية غزة و"حماس" بعضوية القضية الفلسطينية، ووحدانية المسيرة، فقد تصبح أهدافا من الصعب القبول بها، ولذلك قد يكون من اهداف المسيرة إستعادة هيبة القضية من خلال غزة ورسالة برفض أي حلول ليس لغزة و"حماس" دور فيها، ورسالة ان غزة و"حماس" لا يمكن القفز عنهما. هذه الأهداف تفرض على الجميع المراجعة النقدية، وان يكون التنازل فلسطينيا للحفاظ على القضية وهيبتها، وعدم تجزئتها، ولذلك يبقى الهدف الملح للمسيرة الدفع في إتجاه المصالحة وهذا يتوقف على درجة العقلانية وإدراك المخاطر والواقع السياسي الجديد الذي يمكن أن تفرضه المسيرة، لكننا أقرب للأهداف التكتيكية الأولى التي ذكرناها أعلاه..

هذه مجرد رؤية خاصه قد تحمل الصواب والخطأ أيضا.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com