2018-04-08

محددات انتصار المقاومة الشعبية السلمية


بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

لقد قدم الشعب الفلسطينى من خلال المسيرات السلمية نحو الحدود الشرقية لقطاع غزة؛ نموذجا جديدا في تجربة النضال الفلسطيني لم تتوقعه اسرائيل من قطاع غزة؛ والتي رسمت استراتيجيتها السياسية معه لعقد من الزمن طبقا لمعادلة مضمونها الردع العسكري والحصار الاقتصادي والسياسي منذ 2007. ولقد فاجأ الحدث إسرائيل لدرجة أنها لم تستطع تدارك تداعياته؛ وهو ما ظهر في تعاملها معه بنفس استراتيجيتها السياسية السابقة؛ وهو ما أدى إلى تداعيات وخيمة على صورة إسرائيل عالميا؛ تجلت في حجم الإدانة والنقد الدولي لتعامل الجيش القاتل مع المتظاهرين السلميين؛ والذين نجحوا في تثبيت سلمية حراكهم، ومن الواضح أن العالم اقتنع بالرواية الفلسطينية عن الحراك بعكس الرواية الإسرائيلية؛ والتي تدعي عدم سلمية تلك المسيرات ولم تلق روايتها آذان صاغية حتى داخل إسرائيل نفسها.

تؤسس مسيرات العودة اليوم مفهوم قديم متجدد؛ جربه الفلسطينيون قبل ربع قرن من الزمان في انتفاضة الحجارة 1987 في ظروف سياسية مشابهة لما تمر به القضية الفلسطينية حاليا، واكتسبت التجربة الفلسطينية في حينه زخمها وقوتها من عاملين مهمين؛ أولهما استناد الانتفاضة الأولى في حركتها للإرادة الشعبية الفلسطينية الجامعة وعدم الخضوع لأي أجندة فصائلية أو إقليمية، والعامل الثاني فكان سلمية الانتفاضة والتي اعتمدت المقلاع والحجر كأقوى سلاح يمتلكه الفلسطيني.

وبمقارنة بسيطة بين حراك مسيرة العودة اليوم وانتفاضة الحجارة؛ ندرك أنه ثمة اختلافات في المشهدين، فطابع السلمية لمسيرة العودة يطغى على المشهد، ولكن ورغم أن الحراك المتواصل منذ أسبوع يتسم بالشعبية والتعددية المطلقة لكل الفلسطينيين في غزة، إلا أن ثمة جهة متحكمة في مكانزمات هذا الحراك، وهي حركة "حماس" الحاكم الفعلي لقطاع غزة، وهو بالتأكيد أمر يحسب لـ"حماس" في قدرتها على حشد الجماهير وتوجيهها رغم الوضع المأساوي الذي آلت له غزة بعد ما يزيد على عقد من الزمن من الحصار.

وهنا ثمة أسئلة جوهرية ومنطقية علينا طرحها حول تطورات هذا الحراك ومستقبله خاصة مع استمرار الانقسام الفلسطيني، فهل حراك مسيرة العودة هو حراك استراتيجي يتعدى في أهدافه اللحظة السياسية القائمة نحو اعتماد أسلوبه كبديل استراتيجي لأساليب النضال التقليدية الفلسطينية، والتي تنقلت عبر تاريخها بين الخنادق وطاولات التفاوض في أرقى الفنادق ووصل كلاهما إلى طريق مسدود؛ أم أننا أمام مشهد لحظي سينتهي في يوم النكبة القادم بتحصيل بعض المكاسب الآنية لصالح قطاع غزة؛ وأخرى استراتيجية لصالح حركة "حماس" نحو تثبيتها كلاعب سياسي رئيسي، وربما رسمي في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية لتسوية القضية الفلسطينية في ظل حالة الانقسام الراهن بين شطري الوطن، وهو ما يعني تثبيت واقع الانقسام وتحوله لانفصال دائم.

مع العلم أن إسرائيل تدرك جيدا أنها أمام حراك شعبي سيتطور بسرعة، ويستعصي على الحل من دون تقديم تنازلات سياسية مؤلمة لها، ولكن عزاءها أن هذا الحراك قد نشأ في رحم الانقسام الفلسطيني، وهي تراهن على أن هذا الحراك الشعبي محكوم من وراء الستار من قبل حركة "حماس"، وهي أحد أطراف الانقسام، وهو ما يعني أن ثمة عنوان لهذا الحراك يمكنها التعامل معه منفردا بسياسة "العصا والجزرة" وتماما كما فعلت في الانتفاضة الأولى، عندما أعطت جزرة أوسلو لمنظمة التحرير، واضطرت لاعتمادها عنوان فلسطيني معترف به إسرائيليا للخلاص من الانتفاضة الشعبية الأولى، وهي على استعداد اليوم لإعطاء جزرة أخرى لحركة "حماس" ولكن لن تكون مطلقا بحجم أوسلو الذي يبدو ضخما بالمقارنة بما يمكن أن تعطيه إسرائيل اليوم لغزة دون الضفة الغربية.

وتقف اليوم غزة وحركة "حماس" أمام لحظة تاريخية فارقة، وبمقدورها أن تغير مسار الصراع جذريا، وذلك إن أدركت بديهيات وأسس انتصار المقاومة السلمية الشعبية على اسرائيل، والتي تتطلب أن تخاض معركتها في شطري وطن غير منقسم وموحد خلف إرادة شعبية يقف الجميع وراءها وليس أمامها قولا وفعلا، وهو ما يتطلب أن تنأى كل القيادات والفصائل بنفسها عن هذا الحراك الجماهيري ليتطور بشكل طبيعي وينشئ قيادته الخاصة والمستقلة، وأن لا يتعدى دور الفصائل حدود الدعم اللوجستي لفاعلياتها، وهو ما يعني تطوير الحراك نحو أهداف استراتيجية شاملة تتعدى أي أهداف مناطقية أو فصائلية نحو مفاهيم مستقبلية أوسع لإدارة الصراع باتجاه تفعيل وتمكين الإرادة والمشاركة الشعبية في القرار السياسي الفلسطيني، وهو ما يعني ضمنيا إنهاء الانقسام فعليا بالإسراع بإجراء انتخابات ديمقراطية في شطري الوطن، وليس عبر لقاءات الفنادق التي أثبتت التجربة عدميتها.

وهنا ثمة رسالة للشهيد.. بأن الدماء الطاهرة التي تسيل في قطاع غزة ليست رخيصة، والشهداء ليسوا أرقام عابرة في نشرات الأخبار، فوراء كل شهيد أم ثكلى وأب مكلوم وأبناء وزوجة هدمت حياتهم ليبني مجد وطن، وثمة صرح إنساني عظيم ينهار مع ارتقاء كل شهيد، صرح شيده الفلسطيني بمعاناته اليومية في حياة غير طبيعية، وفي أحيانا كثيرة غير إنسانية، ولن يعوض ذوي الشهداء ملء الأرض ذهبا، ولكن تعويضهم الحقيقي أن يبني بتضحيات هذا الصرح مجدا وطنيا لوطن موحد خلف إرادة شعبية.

* أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية. - political2009@outlook.com