2018-04-02

قراءة أولية لمسيرة العودة


بقلم: عمر حلمي الغول

مسيرة العودة يوم الجمعة الماضي حملت في طياتها عددا من الدروس الإيجابية والسلبية، التي تحتاج إلى إضاءة، والإستفادة منها وتعميق الإيجابي فيها، وتجفيف السلبي إن أمكن. حيث لا يجوز ان يمر الحدث الوطني العظيم دون وقفة ولو سريعة لتعميم الفائدة الوطنية.

النقاط الإيجابية: أولا أكدت الجماهير الشعبية الفلسطينية في الوطن والشتات، انها عميقة الولاء لذاتها ولإهدافها الوطنية، وحريصة كل الحرص على إيصال رسالتها لكل القوى في الداخل الفلسطيني،  ولإسرائيل الإستعمارية، والولايات المتحدة والغرب الأوروبي ولكل ذي صلة في العالم، بأنها لا ولن تحيد عن حقوقها ومصالحها الوطنية، ولا مجال للمساومة عليها، أو التنازل عن الحد الأدنى الممكن والمقبول به من الحقوق، التي أجمع عليها الفلسطينيون، وبذات القدر وأكثر حسما قالت، لا للإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولا لصفقة ترامب المشؤومة، ولا لكل مشاريع التوطين، ولا للحل الإقليمي، ولا للإملاءات والضغوط العربية والأميركية وغيرها.

ثانيا عمدت الجماهير الفلسطينية في كل التجمعات، في الوطن والشتات والمهاجر الوحدة الميدانية لكل قوى الشعب ونخبه السياسية. ونبذت الإنقساميين والإنقلابيين. وأكدت أن خروجها، لم يكن لحساب تجار المزاودة اللفظية والشعاراتية الفارغة وأصحاب الأجندات الخاصة والأقليمية، انما للدفاع عن الأهداف الوطنية الجامعة، وعن الشرعية الوطنية، التي أرسلت لها رسالة عنوانها "نحن معك في السراء والضراء" و"لن نحيد للحظة عن خيارنا الوطني مهما كانت التعقيدات والأرباكات الداخلية، أو التضحيات الجسام" وقالت بشكل عميق ورصين "قطاع غزة ليس حاكورة لحركة حماس أو للجماعات التكفيرية، غزة ورفح وخانيونس وجباليا وبيت حانون والوسطى وكل خربة في محافظات الجنوب، هي جزء لا يتجزء من فلسطين ومشروعها الوطني، وهي رافعة للوطنية الفلسطينية".

ثالثا ومن خلال تجسيدها للوحدة الوطنية، ردت على قوى الإنقلاب الحمساوية ومن لف لفها، وقالت بالممارسة العملية وبشعاراتها، التي رفعتها، نحن مع خيار الوحدة والمصالحة، الذي لا بديل عنه إلآ الوحدة وتكريسها في الميدان ، وأرسلت رسالة لمقاولي الإنقلاب الحمساوي، عودوا إلى رشدكم، وحاضنتكم الوطنية منظمة التحرير الفلسطينية، وسلموا حكومة التوافق مهامها كاملة، لإنها مصلحة إستراتيجية للشعب ومشروعه الوطني.

رابعا أكدت بشكل قاطع على أهمية النضال الشعبي السلمي، حيث فضحت وعرت وجه دولة إسرائيل الإستعمارية البشع، وكشفت عن عار جريمة الحرب الإسرائيلية، وعن تواطؤ وتساوق إدارة ترامب وحكومة ماي البريطانية مع الدولة الخارجة على القانون والشرعية الدولية ومواثيقها ومعاهداتها. وظهر تضليلها وكذبها جليا أمام شاشات الفضائيات العربية والعالمية، مما أوقعها في شر أعمالها. ولعل الدعوة الأممية لتشكيل لجنة تحقيق دولية يمثل الخطوة الضرورية والهامة لتعميق عملية الفضح لإسرائيل المغتصبة للإرض الفلسطينية.

خامسا أعادت القضية الفلسطينية إلى سطح المشهد الدولي والعربي. وأكدت للعالم دونما إستثناء، ان القضية الفلسطينية، هي أم القضايا، ودونها لا يمكن أن يكون هناك إستقرار أو تعايش في المنطقة، ودون حلها لا يمكن نزع فتيل الإرهاب الإسرائيلي والتكفيري.

سادسا وجهت رسالة للإشقاء العرب عشية القمة العربية مضمونها: إعادة تذكيرهم، ان قضية فلسطين، هي قضية العرب المركزية شاء من شاء وأبى من أبى. وهي بوصلة الصراع مع الأعداء، وحلها على اساس مبادرة السلام العربية وفق أولوياتها المعروفة والمحددة ومرجعيات عملية السلام، هو الخيار الأمثل، وليس مسموحا لإي عربي أو غير عربي التذاكي والإلتفاف على الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، فإما الحقوق الممكنة والمقبولة فلسطينيا، أو ليتحمل الجميع مسؤولياته عما ستؤول إليه الأمور.

سابعا فتحت الأفق واسعا أمام إنتفاضة شعبية جديدة، ولا يكمن ربط الإستنتاج بإرتفاع عدد الشهداء والجرحى، لإن ذلك العامل على أهميته في إبراز وحشية وجريمة دولة الإستعمار الإسرائيلية، إلآ انه كان من الدروس السلبية، حيث كان يفترض خفض عدد المصابين والشهداء إلى الحد الأقصى، ولكن هناك عوامل : فقدان الأمل بالتسوية، مواصلة إسرائيل خيار الإستعمار الإستيطاني، تساوق أميركا معها، إعتراف ترامب بالقدس العاصمة، تراجع إهتمام العرب بالقضية الوطنية، كقضية مركزية للعرب، ومحاولة إلتفاف بعضهم على المصالح الوطنية لصالح أميركا وإسرائيل، وأيضا ردا على الإنقلاب الحمساوي الأسود ..إلخ.

السلبيات والأخطاء: 1- إستسهال تقديم الشهداء أمام وحشية جيش الموت الإسرائيلي. مع أن الواجب كان يملي قيام المسيرة بمهمتها دون سقوط نقطة دم واحدة. لا سيما وأن قادة دولة الإستعمار الإسرائيلي كانت معنية بإستباحة الدم الفلسطيني، تقديرا منها، بأنها تستطيع كي الوعي الفلسطيني. ورغم غباء قياداتها السياسية والأمنية، وعدم تعلمها الدرس من تجربة الصراع على مدار مئة عام، إلآ انها نجحت في إستهداف سبعة عشر شهيدا، ومئات الجرحى والمصابين وخاصة على الحدود الفاصلة على الحدود الشرقية للمحافظات الجنوبية؛ 2- محاولة إستغلال حركة حماس للمسيرة والمتاجرة بها، وهو ما ردت عليه الجماهير من خلال تمسكها بالشرعية وعبرت عن ذلك بالشعارات الوطنية الجامعة، وبالتالي أسقط في يدها؛ 3- نعم إستطاعت حركة "حماس" أن تحول الإنفجار مع العدو، بعد أن كان سينفجر في وجهها، ولكن ذلك لا يعني أن "حماس" خرجت من أزماتها وإرباكاتها، لا سيما وان الشارع الفلسطيني، أكد وقوفه الكامل إلى جانب الخيار الوطني الجامع، وتحت راية منظمة التحرير، وبالتالي الخروج من الأزمة مؤقت وآني، لإن الخروج الكلي يتمثل بالإلتزام بخيار المصالحة الوطنية بشكل كامل وكلي، وتسليم ما على الأرض وما تحتها لحكومة الوفاق الوطني، غير ذلك يبقى نوعا من الهدر الزائد للوقت، ومواصلة لعبة التسويف والممطالة، والدفاع عن تجار الأنفاق وأصحاب الأمتيازات والملايين الجدد من خلال نهب الشعب في القطاع؛ 4- تركز الجهد الأساسي لمسيرة العودة على جبهة قطاع غزة، في حين كانت الضرورة تملي توزيع الجهد الوطني على كل الساحات والميادين؛ 5- إنخفاض الصوت السياسي والإعلامي العربي في تغطية وإعلاء صوت ودور مسيرة العودة، ووقوع بعض الإعلام المحلي في إرباكات وأخطاء والتلكؤ في تغطية المسيرة من اللحظة الأولى؛ 6- وقوع عدد من المراقبين سياسيين وإعلاميين وحزبيين في خطأ التقدير لمسيرة العودة، وإحتسابها على حركة "حماس"، وفي هذا خطأ فادح وكبير، لإن المسيرة كانت للدفاع عن الأهداف والمصالح الوطنية، وللدفاع عن الشرعية ومنظمة التحرير.

هذة ابرز النقطاط، التي إسترعت إنتباهي، وبالتأكيد هناك الكثير من الإيجابيات والسلبيات الأخرى، ويمكن العودة لها ثانية بشكل أعمق.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com