2018-03-31

مسيرات العودة الكبرى


بقلم: علي جرادات

تسيير مسيرات العودة الكبرى والاعتصام على حدود قطاع غزة مع "مناطق 48"، في الذكرى 42 ليوم الأرض، قرار يستدعي ويحرّض على التفكير فيه، لا كحدث، بل كفكرة خلّاقة وجريئة، تشي بكيف يمكن تذليل والتغلب على مصاعب شروط سياسية وميدانية. وعن هذا فلنُشر، بإيجاز، إلى:

أولاً: أخذت قيادة جيش وأجهزة أمن الاحتلال الأمر على محمل الجد، وقدمت، بعد بحثٍ معمق، لـ"مجلس الوزراء المُصغر" المعني بالمسائل الأمنية الكبرى،  تقدير موقف، فحواه: مسيرات بمشاركة 4 إلى 6 آلاف شخص يمكن التعامل معها، أما بعشرات الآلاف فمشكلة كبيرة وجدية جداً. يعني؟ هم أمام خياريْن أحلاهما مُر، إما أقل قدر ممكن من القوة لمواجهة طوفان بشري، ما يشجع على عبور الحدود، وعلى تكرار التجربة لا في قطاع غزة فقط؛ أو استخدام قوة مفرطة تنطوي على مجزرة كبرى من شأنها "إشعال السهل كله"، وأيضاً، لا في القطاع، فحسب.

ثانياً: المشاركة الجماهيرية الواسعة هي فكرة انتفاضة الحجارة 87،  يتعذر استنساخها في شروط سياسية وميدانية مختلفة، ويمكن محاكاتها بأشكال أخرى. ولنا أن نتخيل مفاعيل تنظيم مسيرات جماهيرية واسعة تقيمها، في آن واحد، تجمعات الشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات في ذكرى النكبة القادمة، المُحتمل تزامنها مع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

يثير الكلام أعلاه أسئلة نظرية وميدانية، بات ملحاً، ولا مناص من، إثارتها والإجابة عنها، لتجاوز مصاعب الحالة الفلسطينية الراهنة، لعل أهمها:

1: العمل الثوري، النضال، وكل فعل للتغيير بعامة، هل هو "فن الممكن"؟ أم "فن اجتراح المبدع والخلّاق للتغلب على ما يبدو مستحيلاً"؟ وفي التجربة الفلسطينية وحدها، ناهيك عن تجارب حركات التحرر الأخرى، ما يكفي من دروس وخِبَر يمكن محاكاتها في الشروط القائمة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ألم تنطلق الثورة المعاصرة من ظروف غاية في المجافاة، حتى وُصفت بـ"ثورة المستحيل"؟ وانتفاضة الحجارة 87 ألم توصف بـ"المعجزة"، لناحية بساطة سلاحها، واستمرارها، واندلاعها، (وهنا الأهم)، في ظروف مجافية بعد ضرب البندقية الفلسطينية في لبنان وتشتيتها؟ قطاع غزة ألم يتغلب على عدم ملاءمته حرب العصابات، (لخلوه من الجبال والغابات)، بحفر الإنفاق كإبداع "استثنائي" منذ العمل الفدائي في سبعينات القرن الماضي حين كان الاحتلال بجيشه وأجهزته الأمنية داخل القطاع؟ ألم يطلق الجميع صفة "الإبداع" على ما اجترحه جيل جديد من أشكال نضالية، (عمليات الطعن والدهس) في هبة أكتوبر/ تشرين الأول 2015.

وبالمقابل ألم يُذهل، ويُربك، ويفاجأ، قادة الاحتلال بمجالاتهم ومستوياتهم، كل ما أتينا، وما لم نأت، عليه، والأخير أكثر؟ وللتدليل قال وزير حرب الاحتلال الأسبق، (رابين)، رداً على انتقادات فشله في وقف العمليات الاستشهادية: "الموت أقسى عقوبة رادعة، فكيف يمكنك ردع شخص قرر الموت"؟ قال وزير حرب الاحتلال السابق، (يعالون)، رداً على انتقاد فشله في وقفِ عمليات الطعن: "هل نستطيع جمع سكاكين مطابخ الفلسطينيين"؟ وأسطورة حرب الاحتلال، (دايان)، في زمانه ألم يتفاجأ بنتائج معركة الكرامة، الانطلاقة الفعلية للثورة المعاصرة، وبتحطيم الجيش المصري خط بارليف؟

2: هل يمكن استخراج ما يمكن اجتراحه وابتداعه للتغلب على المصاعب الراهنة بغير مغادرة المألوف والمعروف والقديم والنمطي والمحافظ إلى إطلاق العنان لإبداع الشعب؟

3: هل يمكن لسياسة التردد والانتظار أن تنجب جديداً أو أن تطلق العنان لجديد ناشئ يتحفز ويتفلت؟ أجاب الزعيم الراحل عبد الناصر: "الأيادي المرتعشة لا تصنع ثورة".

بقي القول: الإرادة، بالمعنى السياسي، هي القول الفصل، بتوافرها وصفاً وطنياً موحَّداً، يمكن استنهاض الشعب الفلسطيني لتحقيق ما يبدو مستحيلاً، واستقطاب دعم خارجي منتظم متعدد الأشكال والجنسيات؛ وبغياب ذلك، يبقى الحال القائم، (المراوحة في المكان)، على حاله في محطة فارقة.

* كاتب وناشط فلسطيني- رام الله. - ali-jaradat@hotmail.com