2018-04-01

"مسيرة العودة" في ميزان الربح والخسارة..!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

بعد انتهاء الجزء الاول من "مسيرات العودة" التي اعلنت عنها الفصائل الفلسطينية في غزة والتي استجاب لها عشرات الآلاف، وربما اكثر، الذين تجمعوا في نقاط مختلفة على الحدود التي يبلغ طولها حوالي ٤٠ كم. واستشهد خمسة عشر وجرح ما يقارب ١٥٠٠ باصابات مختلفة، منها  حوالي ١٠٠ جريح سيتم بتر احد اطرافهم، وهذا هو الجانب المؤلم في هذة الفعالية الوطنية.

في عملية تقييم سريعة لما جرى يوم الجمعة (30 آذار) وتأثير ذلك على جميع الاطراف ذات العلاقة من حيث الربح والخسارة ، يمكن قول التالي:

اولا: من الناحية الاسرائيلية، وفقا لتقييمهم، لقد خرجوا من هذا الحدث بأقل الخسائر الممكنة، وتقييمهم ان الجيش قد نجح في مهمته الأساسية، وهي منع الشبان الفلسطينيين من اقتحام الحدود بالمئات او الآلاف، وحقيقة ان رئيس هيئة الاركان قد أشرف بنفسه على ادارة العمليات تدلل على الاهمية التي أولاها الجيش لهذه المسيرات.

على الرغم ان عدد الشهداء والجرحى يقلل من قيمة هذا النجاح، حيث هذا العدد من الضحايا هو الذي وضع الحدث على طاولة مجلس الأمن واستجلب الكثير من ردود الأفعال والشجب والاستنكار من دول وزعماء العالم، واعاد الى الاذهان ان هناك شعبا يرزح تحت الاحتلال، وهناك احتلال لا يتردد في استخدام القوة المفرطة.

من الناحية السياسية اسرائيل هي الخاسر الأكبر حيث أعادت غزة ترتيب الأوراق على طاولة أي عمل سياسي مستقبلي، بما في ذلك كل ما يتم الحديث حوله من مقترحات امريكية تتجاهل الحقوق الفلسطينية، خاصة حق العودة.

ثانيا: من ناحية الفصائل الفلسطينية، مسيرة العودة يوم الجمعة كانت انتصارا كبيرا، حيث شاركت اعداد كبيرة، ولم ترفع رايات او يافطات حزبية، وهذا كان لأول مرة في تاريخ المسيرات الفعاليات الوطنية، حيث رفع العلم الفلسطيني فقط، والشعارات كانت موحده تدعو الى حق العودة وكسر الحصار. هذا الأمر سيؤسس الى مرحلة جديدة من العمل الوطني الشعبي والسلمي يقدم الشعار الوطني وعلم فلسطين على الشعارات والرايات الحزبية.

ثالثا: الرابح الأكبر من هذه المسيرات كانت غزة الجريحة والمحاصرة والمعاقبة والتي تئن تحت الفقر والبطالة والأزمات الإنسانية. غزة منذ يوم الجمعة أعادت تموضعها على رأس الاجندة الفلسطينية والاقليمية والدولية، وأكدت للمرة المليون انها خزان الوطنية الفلسطينية الذي لا ينضب، لا تبخل على الوطن ولا تترد في حماية المشروع الوطني بعيدا عن المتاجرة بالشعارات الرنانة. الرسالة كانت واضحة لكل من يحاصرها ويعاقبها ويتجاهلها ويبخل عليها انها أكبر منهم جميعا، والمستقبل سيحمل لهم الكثير من الرسائل المشابهة التي ستشعرهم كم هم اقزام أمام غزة وأهلها.

رابعا: هذه المسيرات ستتواصل على الأقل حتى الخامس عشر من شهر أيار/ مايو المقبل، وهو يوم النكبة، ولكن الزخم على الارجح سيكون في ايام الجمعة.

السؤال الذي يجب ان يتم اعطاء اجابة له في الايام المقبلة هو: هل كان هناك قصور في ضبط الميدان من خلال منع الشبان من الاقتراب الى الجدار وبالتالي تعرضهم للخطر.
 
بمعنى آخر هل من مصلحة الشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية والقوى المنظمة ان تنتهي هذه المسيرات دون تعرض الشبان الفلسطينيين للخطر والحفاظ فعلا على سلمية هذه المسيرات، ام انه لم يكن هناك امكانية للسيطرة على الوضع وكانت هذه النتيجة معروفة مسبقا؟

كأحد الاشخاص الذين كانوا هناك واقترب الى اقصى حدا ممكن من الحدود ومناطق الخطر، اقول جازما ان امكانية الضبط كانت صعبة وستكون أصعب في المستقبل ولكن على الاقل يجب ان يبذل الجهد المطلوب للحفاظ فعلا على سلمية هذه المسيرات وتجنب خسائر لا داعي لها لان الثمن الذي يتم تقديمة أغلى بكثير من النتيجة.

لذلك اعتقد ان على الفصائل في المرات القادمة ان تكون واضحة في توجهاتها وعدم ترك الميدان وترك القرار للشباب الصغار.

هذا الامر يحتاج الى جهد كبير لضبطه، سيما انه جزء من ثقافة الشعب في فهمه للمقاومة والنضال ولكن على الاقل يجب ان يكون هناك قرار ويكون هناك جهد واضح لتطبيق هذه القرار على ارض الواقع، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

شخصيا، لو كان لي اولاد صغار لاخذتهم معي الى مسيرة العودة، ولكن لن اسمح لهم الى الذهاب الى الجدار ويعرضون حياتهم للموت او الاصابة التي قد ترافقهم طوال حياتهم.

اذا كان هذا مفيدا للقضية والنضال الفلسطيني سأذهب قبلهم او برفقتهم ولكن لا اتركهم لوحدهم. هذا بطبيعة الحال لا يعطي مبرر لقوات الاحتلال اطلاق النار على اطفال وشباب عزل كما حدث مع الشهيد عبد النبي الذي تم اطلاق النار عليه وظهرة الى الخلف باتجاه غزة..!

طوبى للشهداء والشفاء للجرحى والفخر لشعبنا وأهلنا الصابرين المرابطين.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - Dr.sufianz@gmail.com