2018-04-01

بين الماضي والحاضر: حول مظاهرات يافا عام 1934


بقلم: د. نهى خلف

اليوم والجميع بصدد القيام بتحقيقات تاريخية بمناسبة ذكرى مرور سبعين عاما على النكبة الفلسطينية، أرى من الضروري التذكير  بأهمية العلاقة بين 'الذاتي' و'الموضوعي' في البحث التاريخي كما نبهنا عنها الفيلسوف الفرنسي الشهير الراحل، بول ريكور، في كتابه المهم "الذاكرة والتاريخ والنسيان" قائلا:
 "إن أية دراسة تاريخية تضع المؤرخ في مأزق ما بين 'الموضوعية' من جهة و'الذاتية' من جهة أخرى وخاصة عندما يحاول التوصل الى 'موضوعية علمية'، لأن عملية بناء 'الموضوعية التاريخية' من أجل التمكن من استيعاب الأدوات الذهنية والسلوكية 'لرجال الماضي' هي ليست إلا الوجه الآخر من 'النظرة الذاتية'، حيث أن التاريخ نتاج 'لإبستمولوجية' مزدوجة تتكون من تداخل بين الموضوعية والذاتية، ومن الجدلية بين الأحد المعاصر والآخر الأبعد زمنا، ومن المواجهة بين اللغة العصرية والحالة الفائتة، مما يعني أن اللغة التاريخية قد تكون غامضة".

وبسبب صعوبة التوصل إلى "موضوعية تاريخية" يضيف الفيلسوف الفرنسي: "سأظل مضطربا بسبب المشهد المرتبك الناتج عن 'فائض من الذاكرة'  هنا و'فائض من بالنسيان' هناك، ومن استغلال الذاكرة لأهداف سياسية بينما هناك قضايا تزول بالنسيان، فإن 'مشروعي الأساسي يهدف الى البحث عن 'الذاكرة العادلة' ".

فبالنسبة للبحث في التاريخ الفلسطيني بشكل خاص يبدو ان هناك صعوبة كبيرة في التوصل الى "ذاكرة عادلة" لعدة اسباب ومن اهمها مسألة الاستمرارية في التاريح الفلسطيني ووجه الشبه بين الماضي والحاضر كما عبر عنه المفكر الراحل ادوارد سعيد: "إن إحدى الاستراتيجيات الأكثر رواجا   تكمن في محاولة تفسير الحاضر عبر الإشارة إلى الماضي، ليس فقط لأننا قد نكون على اختلاف مع الماضي ومع ما حدث، ولكن لأننا نتساءل إن كان الماضي قد مضى ومات ودفن، أو أنه  لا يزال مستمرا ربما بشكل آخر: هذه من خصوصيات الحوارات المتعددة حول الأسباب والأحكام والاتهامات، وحول  الحاضر والمستقبل".

وبمناسبة ذكرى يوم الأرض والتظاهرات الهائلة التي قام بها الشعب الفلسطيني في يوم 30 آذار 2018،  أرى من الأهمية الإشارة الى المظاهرات التي اندلعت في  يافا، قبل خمسة وثمانون عاما، حيث نشرت جريدة "فلسطين" اليافية في العدد الأول من  آذار 1934 معلومإت عن "مظاهرات يافا"، وما تبع ذلك من حملة اعتقالات، بما في ذلك شهادة محمد عزت دروزة حول هذه الحوادث، وهوأحد القياديين البارزين المتهمين في مظاهرات يافا.

ثم نشرت جريدة "فلسطين" في الرابع من آذار 1934 مقابلة مع عوني عبد الهادي، رئيس  حزب الاستقلال الذي قارن ما بين مظاهرات عام 1934 واضطرابات أخرى قد سبقتها في عام 1929، والتي اعتبر إنها كانت تعكس فقط العداء بين اليهود والعرب، مما أدى إلى توظيفها ضد العرب ومصالحهم وعدم اعتبارها نضالا وطنيا منظما له مطالب مشروعة من قبل البريطانيين. وفي المقابل اعتبر إن "النهضة" التي أطلقها حزب الاستقلال في البلاد قد عبرت عن شرف النضال وأهدافه، في الوقت الذي كشفت فيه عن 'تخلف وفساد السياسة' التي سادت من قبل.

وفي 24  آذار- مارس 1934، خصصت كلمة رئيس تحرير جريدة "فلسطين" للحديث عن الحالة الصحية لموسى كاظم الحسيني الذي كان يحظى بمنصب رئيس اللجنة التنفيذية الفلسطينية الأولى والذي  كان طريح الفراش منذ مشاركته في مظاهرات أكتوبر – تشرين أول 1933 في يافا، ثم أعلنت صحيفة "فلسطين" في 27  آذار خبر وفاته، وتحضيرات دفنه، وقد خصصت ذلك العدد لنشر الأثر الذي تركه فقدانه على المستوى الوطني والإقليمي، مع إطلالة مختصرة على مسيرة حياته، كما خُصص كل من العددين 29 و30 مارس – آذار لنشر كلمات التأبين  للشخصيات الفلسطينية مثل يعقوب فراج نائبه، وأمين بك التميمي عضو المجلس الإسلامي الأعلى، والشيخ عبد القادر المظفر الذي أبنه بخطبة مؤثرة في مسجد الصخرة.

وفي العدد 31 مارس – آذار 1934، ذكرت صحيفة "فلسطين" في صفحتها الأولى أسماء أولئك الذين توقعت الصحافة اليهودية، أن يخلفوا موسى كاظم الحسني، من بينهم عمر البيطار وتوفيق حماد، ويعقوب فراج، وجمال الحسيني وعوني بعد الهادي، وقد أعربت صحيفة "فلسطين" عن استغرابها من انشغال الصحف اليهودية باختيار الرئيس القادم للجنة التنفيذية العربية قبل أن تتحدث الأوساط العربية بهذا الخصوص..!

ومن الجدير بالذكر إن بعض المؤرخين قد قاموا بالمقارنة بين الأساليب التي استخدمتها الحركة الصهيونية للاستيلاء على يافا قبل عام 1948 والأساليب التي تستخدمها اليوم للاستيلاء على القدس..!

ويبدو واضحا عبر هذا التعليق الصحفي المختصر أن الأمور لم تتغير كثيرا، رغم مرور أربعة وثمانون عاما على هذه الحوادث،  حيث أن أكثرية الشعب الفلسطيني تستمر في التظاهر، كما يستشهد في كل تظاهرة من أبناء شعبها الأبرياء ويجرح الكثيرون منهم، وتقوم السلطات الصهيونية باعتقال وتصفية القيادات الوطنية، بينما تستمرسلطة الاحتلال بالانشغال في إختيار القيادات المقبلة..!

فهل هناك عبر يمكن استنباطها في وجه هذه السياسات العدوانية المستمرة وهذا العطاء الشعبي المتواصل من أجل الدفاع عن القدس والأراضي الفلسطينية المتبقية؟ أم هل هناك ربما حلقة ناقصة لم تسمح بالاستفادة من هذه الخبرات التاريخية الغنية وباستثمار كل هذا العطاء من أجل مزيد من الانتصارات؟

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت. - khalaf.noha@gmail.com