2018-03-31

مسيرة العودة.. سيميائية الصورة ودلالات المحتوى


بقلم: د. أحمد الشقاقي

خرجت غزة في يوم الأرض إلى حدودها الشرقية ضمن مسيرة العودة لتصحح المسار ولتعيد ترتيب الأجندات الفلسطينية وفق المنطق الوطني وحسب المزاج الشعبي وبعنوان الصالح الوطني الذي يشمل الجميع وفي مظلة الوحدة الوطنية لتنتصر إرادة الفلسطيني وينهزم المحتل.

الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام الدولية والعربية والمحلية لحشود الجماهير شرق غزة جعلت من هذا الفعل الشعبي السلمي لاعباً مهماً على رقعة الشطرنج في إطار الصراع مع المحتل، وأمام هذه الصورة التي خرج بها اليوم الأول من مسيرة العودة فإنني أقف أمام التحليل السيميائي للصورة ودلالات محتواها.

أولاً: وصف الصورة
-       المرسل: قنوات التلفزة الدولية والعربية.
-       الرسالة: عنوانها مسيرة العودة
-       تاريخها: يوم 30 آذار 2018، وتناقلتها كافة وسائل الإعلام المطبوعة والمرئية والإلكترونية.
-       نوع الرسالة: صورة ذات أبعاد سياسية.
-       محاور الرسالة: تحمل الصورة خمسة مشاهد هي:
-       الأول: حشود شعبية شكلت طوفاناً بشرياً يتجه للاعتصام على طوال الحدود الشرقية.
-       الثاني: العلم الفلسطيني، وكان يمثل الراية الوحيدة التي تحملها الجماهير.
-       الثالث: الخيمة، وهي تمثل رمزاً لقضية اللاجئ الفلسطيني المستمرة منذ نكبة48.
-       الرابع: الأرض الفلسطينية، وهي تمثل الحق الفلسطيني المنتهك من دولة الاحتلال.
-       الخامس: التحصينات الإسرائيلية، وهي تمثل القلق والتوجس الاحتلالي من الإرادة الفلسطينية.

ثانياً: مقاربة نسقية
أ- النسق من الأعلى(أسباب التقاط الصورة)
-       التقطت الصورة لإعلان انطلاق فعاليات مسيرة العودة التي ستسمر لعدة أسابيع.
-       مرسل الصورة قناة الجزيرة مباشر.
-       الهدف: إظهار التأييد الشعبي لأهداف مسيرة العودة والتجاوب الكبير من الشارع الفلسطيني مع قضايا الثوابت الوطنية.
ب_ النسق من الأسفل
البث: تم نشر وبث هذه الصورة طوال فترة احتشاد الجماهير شرق مدينة غزة.
التأثير: ويتمثل في التأثير المباشر على الجمهور الفلسطيني بأن تنظيم المسيرة سلمي، وبالتالي تعزيز المشاركة الشعبية التي من الممكن أن تخشى البطش الإسرائيلي بالمتظاهرين، وكذلك في تأثيرها على العدو الصهيوني الذي ارتفعت مؤشرات القلق لديه وأعلن أن الحدود منطقة عسكرية مغلقة بالإضافة إلى هروب مستوطنيه من مناطق غلاف غزة.

ثالثاً: مقاربة إيكونولوجية
أ- المجال الثقافي والاجتماعي
الهوية الفنية لهذه الرسالة تنتمي إلى الصورة الفوتوغرافية والتلفزيونية، وقوة الصورة تأتي في عناصرها التي تحتويها كالجماهير الغفيرة والعلم الفلسطيني والخيمة والأرض الفلسطينية والتحصينات الاحتلالية، فالعنصر الأول يعكس حالة التأييد الشعبي لأهداف المسيرة، والثاني يؤكد حالة التوافق الداخلي على هذا التوجه والخيار كشكل من أشكال المقاومة، والثالث يمثل الثوابت الوطنية لتعبيره عن قضية اللاجئين المستمرة، أما العنصرين الرابع والخامس فهما يؤشران إلى عامل مهم من عوامل بناء الدول وهي الأرض التي سرقتها العصابات الصهيونية من أصحاب الحق الفلسطيني ولا يزال جيش الاحتلال يبسط سيطرته عليها بما يتعارض مع المبادئ الدولية وأهمها القرار الدولي194.
الجماهير الفلسطينية التي خرجت على طوال الحدود ووجدت إلى جانبها قيادات العمل الوطني والإسلامي ترى في هذا الخروج تصويباً لمسار الاحتجاج الفلسطيني بعد أن استغرق في تفاصيل الأزمة الداخلية والحصار، وأعاد الأنظار مجدداً إلى القضايا الرئيسية للشعب الفلسطيني وأهمها حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي خرجوا من أرضهم بفعل الإرهاب الصهيوني.
ب- مجال الإبداع الجمالي في الرسالة، ويشمل:
- سنن الأشكال والألوان، إذ يمكن تقسيم الصورة بخط أفقي واحد: الجزء الأعلى خاص بالحشود العسكرية الإسرائيلية والخطوط المتقدمة من الجماهير الفلسطينية التي ترفع العلم الفلسطيني وتقترب من الحدود الشرقية.
- السنن التشكيلية، إن التكوين الجيد هو الذي لا يشتت العين من خلال توازن العلامات التي تحتويها الصورة وتضفي تكامل في معانيها وتشكيل الصورة( الحشد الشعبي الفلسطيني بجانب الخيمة المرفوع عليها العلم الفلسطيني) يعطي انطباعاً عن إيمان الجمهور الفلسطيني بحقه الذي لا يقبل التنازل أو التعويض واعتباره ثابتاً مقدساً لا يمكن التنازل عنه.

رابعاً: مقاربة سيميولوجية:
أ‌. مجال البلاغة والرمزية في الصورة، وتشمل:
1-   العلامة البصرية التشكيلية وتفصيلها كالتالي:
-       كبار السن علامة بصرية مشكلة لمعنى التمسك بالحق الفلسطيني.
-       المتظاهر الشاب علامة بصرية مشكلة لعامل الإرادة الفلسطينية التي تنفي مبدأ أن الصغار ينسون.
-   المرأة والطفل علامة بصرية مشكلة لكون قضية العودة تخص كل فلسطيني وتحمل أبعاد إنسانية في تشتت الأسر الفلسطينية.

2-   العلامة البصرية الايقونية، وضمت الصورة عدة أوجه بلاغية منها المجاز والكناية.

إن الصورة التي خرجت من شرق مدينة غزة لمسيرة العودة ذات أبعاد إعلامية وسياسية، أراد منظمو مسيرة العودة إرسالها من خلال هذه الجماهير الفلسطينية في محاولة لتصحيح البوصلة الفلسطينية التي أرهقها الانقسام وتسبب في تشتيت الجهد الفلسطيني، وقد نجح هؤلاء في ذلك لأسباب متعددة منها:
-       قضية العودة حق فلسطيني لا يسقط بالتقادم أو حتى بالتنازل.
-   الرواية الفلسطينية للصراع مشفوعة بأدلة ملموسة أهمها اللاجئ الفلسطيني نفسه، وكذلك القرارات الدولية التي تدعو إلى عودته إلى أرضه.
-       شعور الرأي العام بمشاركة القيادات الفلسطينية للمسيرة وفي طلائعها الأولى على طول الحدود الشرقية للقطاع.
-   اشتمال برنامج مسيرة العودة على العديد من المحطات الثقافية والرياضية والتراثية والاجتماعية، وبالتالي منحها فرصة التحول إلى كرنفال فلسطيني متنوع.
-   الصورة التي خرجت لمسيرة العودة من حيث تأثيرها تمكنت من إضفاء زخم كبير للتمسك بالحقوق الفلسطينية رغم كل أشكال الحصار والمعاناة التي يعيشها سكان قطاع غزة.

* الكاتب يقيم في قطاع غزة. - gazapress1001@gmail.com