2018-03-26

صراع القوى العظمى وطريق الحرير.. وغزة المنتظرة..!


بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

لم تفلح الولايات المتحدة عبر سياسة الباب المفتوح أن تحول الصين لدولة ليبرالية ديمقراطية، وبقيت الصين القلعة الشيوعية الأخيرة في العالم بنظام سياسي أوتوقراطي اشتراكي وبنظام اقتصادي رأسمالي، فلم تتحول الصين لدولة ليبرالية بل على العكس فإن الازدهار الاقتصادي الصيني تحول إلى دعم للنظام السياسي الشيوعي؛ والذي انتقل بالصين من دولة نامية إلى دولة امبراطورية تنافس القوى العظمى على مناطق النفوذ العالمي. وتشق الصين اليوم طريقها بثبات وبسرعة مذهلة نحو تبوء مكانة ريادية غير مسبوقة في الجغرافيا السياسية الامبراطورية نحو السيادة مدعمة بقوتها الاقتصادية المنفتحة على الاقتصاد العالمي والتجارة الحرة، وبقوتها العسكرية المتنامية، والتي زادت مخصصاتها عن 173 مليار دولار في موازنة 2018، وبلغت 2.25 ترليون دولار، وتتخطى بذلك موازنة كل دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، ويمثل فيها الانفاق العسكري ما قيمته 8.1% بزيادة ملحوظة عن موازنة 2017، والتي كانت نسبته فيها 7.6%، وهو ما ترجم بتدشين أول قاعدة عسكرية صينية خارج الصين على سواحل جيبوتي، وهو ما يعني أن الصين بدأت ولأول مرة في تاريخها بسلوك النهج الاستعماري الامبراطوي العسكري لحماية مصالحها الاستراتيجية.

والأهم هنا عند الحديث عن مشروعها التاريخي في إحياء طريق الحرير البحري والبري، والذي رصدت له موازنة تفوق 8 ترليون دولار، فإننا سنجد أنفسنا أمام تشكيل قوة إمبراطورية غير مسبوقة سوف ترث لا محال إمبراطوريات أخرى في طريقها قد انكفأت على ذاتها، وللمفارقة التاريخية تبدو الصين الشيوعية أكثر انفتاحا اليوم على اقتصاد السوق والتجارة الحرة من الولايات المتحدة زعيمة الليبرالية والاقتصاد الحر، والتي تحولت عبر سياسة إدارة ترامب إلى دولة تضع القيود على آلية السوق الحر والعولمة الاقتصادية، وتنسحب من العديد من اتفاقيات تحرير التجارة العالمية نحو انعزال تدريجي عن العولمة التجارية، وهو ما يفسح المجال بطريقة غير مباشرة للتنين الصيني في التربع على عرش الاقتصاد العالمي.

وهنا تظهر حقيقة ثابتة في السياسة الدولية؛ وهي أن الدول لا تعترف ولا ترى إلا مصالحها بعيدا عن الشعارات السياسية البراقة أو المبادئ، والتي لا تعدو كونها أدوات لخدمة المصالح الاستراتيجية، ولذلك فلن يكون مستغربا مستقبلا أن تتحول أو تستبدل مراكز المال والإقراض  الدولي من الولايات المتحدة إلى الصين، فنحن أمام تنين صيني حقيقي يكبر يوما بعد يوم ويلتهم  بنعومة وبذكاء كعكة الاقتصاد العالمي؛ والذي سيشكل إحياء طريق الحرير البري والبحري أكبر استثمار مالي لمشروع اقتصادي على وجه الأرض، وهو ما يعادل ثلث المال المتداول اليوم على كوكب الأرض والذي يقترب من 25 ترليون دولار.

إن هذا المشروع التاريخي سيدفع الصين إلى منطقة الشرق الأوسط؛ بحكم أنه يمر برا وبحرا في معظم مرافئها أو أراضيها، وهو ما يعني أن قاعدة حيبوتي لن تكون الأخيرة لحماية طريق تجارتها البري والبحري، والذي تستثمر فيه من خلال البنية التحتية لطرقه وموانئه تريليوناتها الثمانية، والذي يخترق مناطق النفوذ الغربي والأمريكي بشكل خاص في الشرق الأوسط؛ حيث القلب النابض لمصادر الطاقة عالمياً، والتي تعتمد الصين عليه في إدارة عجلة اقتصادها.

وهنا تكمن المراهنة الأمريكية على قدرتها على الحد من طموحات ونفوذ الصين كونها تسيطر على جل مصادر الطاقة في الشرق الأوسط؛ عبر نفوذها السياسي والعسكري في الخليج العربي وشرق المتوسط؛ مما يخولها التحكم في أسعار الطاقة العالمية. لكن تدرك الإدارة الأمريكية أن هذا وحده لا يكفي؛ خاصة في منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط، لذلك تسعى الإدارة الأمريكية لترتيب أوضاع تحالفاتها في المنطقة مع حلفائها التاريخيين؛ منعاً لأي اختراق صيني أو روسي في المنطقة، وحتى لا يتكرر المشهد الايراني عام 1979 مجددا في أي مكان آخر في الشرق الأوسط لأنه سيمثل كارثة حقيقية في ظل المشهد الامبراطوري الدولي الحالي.

ولذلك  تبرز أهمية "صفقة القرن" وحيويتها بالنسبة للولايات المتحدة لتدعيم نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة، عبر إنهاء الصراع العربي الاسرائيلي أو حتى تجميده لحين، وفي المقابل تعد الأراضي الفلسطينية وخاصة قطاع غزة بوضعه الجغرافي والجيوسياسي أحد أبرز التحديات الساخنة اليوم نظرا لموقعه الجغرافي الحساس على تماس مع طريق الحرير الصيني؛ ونظرا لوجود مصادر للطاقة على سواحله، وضمن حدوده الاقتصادية البحرية، ولكن وضع قطاع غزة تحت حكم حركة "حماس"، وخارج نفوذ أي سلطة شرعية يمثل منطقة فراغ سياسي، ويفتح شهية قوى إمبراطورية عديدة لإيجاد موطئ قدم لها فيه مستقبلا، وهو ما يفسر السياسة الأمريكية الخاصة في التعامل مع القطاع، والتي كان آخرها مؤتمر البيت الأبيض الأخير عن أوضاع القطاع وصولا إلى التسريبات المتلاحقة عن وضعية القطاع في "صفقة القرن"، والتي تشير إلى كونه الأساس للدولة الفلسطينية المقترحة، وهو ما يعني أن الوضع القائم في القطاع الاقتصادي والسياسي إنما هو في الربع ساعة الأخير من عمره، وهو ما يعني أن الأسابيع  والأشهر القادمة ستشهد تغيرات دراماتيكية لوضع القطاع السياسي والاقتصادي، فلم يعد من المقبول جيوسياسيا أن يكون أي مكان في منطقة الشرق الأوسط اليوم في حالة فراغ سياسي كالذي يعيشه قطاع غزة، وإن لم يحسم الفلسطينيون أمرهم ويتحدوا ويصطفوا حيث مصالحهم الاستراتيجية فالقوى الإمبراطورية ستتكفل بالمهمة لصالح مصالحها الإستراتيجية، ولتدرك اليوم حركة "حماس" الحاكم الفعلي للقطاع قيمة الضريبة الباهظة التي سيدفعها الشعب الفلسطيني لبقاء سيطرتها على القطاع، والتي سيكون أول دافعيها سكان قطاع غزة.

ورغم أننا في الربع ساعة الأخير إلا أنه لا زال أمامنا كفلسطينيين فرصة أخيرة لمنع وقوع الكارثة، وضياع الحلم الوطني الفلسطيني وضياع تضحيات قرن من النضال الفلسطيني أدراج الرياح.. ولا مكانة في العالم لمحدودي الرؤية السياسية.

* أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية. - political2009@outlook.com