2018-03-24

المجلس الوطني والساحر والعبقري..! (1-4)


بقلم: بكر أبوبكر

سنحاول في عدة حلقات أن نعرض في دراستنا هذه زوايا مختلفة في المجلس الوطني الفلسطيني وصولا  للبدائل والخيارات ضمن مساحات الايمان والارادة والقرار المطلوب، وهذ الاولى من 4 حلقات.

يوم الأربعاء بتاريخ 7/3/2017 "استمعت اللجنة التنفيذية الى تقرير من لجنة متابعة تنفيذ قرارات المجلس المركزي في دورته الاخيرة التي عقدت في 15/1/2018 وقررت ما يلي: عقد المجلس الوطني الفلسطيني يوم 30 نيسان/ابريل 2018" ونقول فرحين.. أخيرا؟!

كانت تطرح مسألة عقد دورة جديدة المجلس الوطني الفلسطيني كلما تعب الفلسطينيون من فتح أبواب جديدة في المسارات السياسية سواء الوطنية أو الاقليمية والعالمية، ولولا هذا الارهاق والتعب لما كان المجلس الوطني ليتخذ موقعه في صدارة الاهتمام، لا سيما وقد غطاه الاهمال والنسيان والتجاهل، ولنقل التناسي لمدة 20 عاما حتى يوم اقرار عقده، رغم أنه يمثل سلطة الشعب الفلسطيني المقدرة في الداخل والخارج نظريا، هذا الى كثير من اعتراضاتنا على الانهاك والتحجر والكسل لدرجة الشلل الذي أصابه كما أصاب عديد من اطر (م.ت.ف).

بدلا من أن يكون المجلس الوطني الفلسطيني الذي يمثل الداخل والخارج هو الاطار المقرر طغت مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنها المجلس التشريعي في دورته الاولى، والثانية الى أن توقف عمل "التشريعي" لسبب الانقلاب وتحول المجلس الوطني الفلسطيني ليتخذ الدور التشريفي والشكلي.

وكأن دورة المجلس الأخيرة وهي الدورة 21 التي عقدت في غزة عام 1996 لتقر انشاء السلطة الوطنية الفلسطينية اعلان لسبات طويل او اعلان لنهاية اجتماعات هذا المجلس الذي تحول منذ تلك الفترة الى قطعة زينة (ديكور) يتم التغني بها، ولم يتبقى لها إلا نشاط رئاسة المجلس بالبيانات والاجتماعات والزيارات الهامة التي نقدرها في المحافل البرلمانية العربية والدولية والتي لولاها لكانت فلسطين غائبة ومغفلة كليا، ولكن هذه الفعاليات على أهميتها لم تكن لتغني أبدا عن الانعقاد السنوي أو كل 3 سنوات للـ"مجلس"، وها نحن ندخل بالعام الواحد والعشرين..

الصرخات العديدة التي دعت لانعقاد المجلس-ما قبل الاقرار- لم تكن جديدة أبدا، وهي تلك المرتبطة بإصلاح وتجديد وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، فمنذ اتفاق الفصائل في القاهرة على انشاء لجنة تفعيل المنظمة عام 2005، والتي تسميها بعض الفصائل اليوم (اللجنة القيادية المؤقتة) وما تلاها من اتفاقيات للمصالحة الوطنية التي اعقبت انقلاب "حماس" (تسمية حماس "الحسم العسكري") على غزة عام 2007 هذه الصرخات هي تكرار للإعلان عن عمق الجرح الوطني الفلسطيني فالقطع باليد والألم في الأحشاء.

الصرخات التي لم تفد معها ثلاثة حروب عدوانية على غزة، ولا غضبة القدس عام 2014 ثم غضبة بوابات الاقصى عام 2017 والحراك المناهض لقرار "ترمب" المشؤوم، هل يفيد معها عقد المجلس الوطني الفلسطيني تجاوزا للانقلاب والانقسام؟ سواء الفلسطيني أوتجاوزا للانقسام في عالمنا العربي والإقليم المتشظي بين نار الطائفية المبتدعة اسرائيليا وغربيا ونار المصالح التسلطية لأنظمة ألقت برفاه شعوبها في الجحيم تأمينا لهيمنتها وسلطانها تمد اليد لهذا أو ذاك من أساطير العقلية والغربية الاستعمارية؟

رغم هذه التساؤلات أعلاه نقول: كيف لنا أن نقول جزى الله "ترمب" خيرا؟ إذ رُبّ ضارة نافعة، فجاء قراره الصادم لدفن القضية الفلسطينية، ايذانا بعقد المجلس رفضا لنقل السفارة وصفعة القرن.(1)

ساحر أم عبقري ام معجزة؟
التساؤلات حول الصرخات مشروعة، لأن الأمة وفيها الشعب الفلسطيني تبحث عن حلول للخروج من المعضلة والمأزق الرهيب الذي قد يحتاج إما لساحر وإما لعبقري وإما لمعجزة إلهية؟ فهل ننتظر أم نصرخ أم نقدم الخطوات تلو الخطوات على طريق التغيير المنشود يدا بيد وكتفا بكتف؟

في اطلالة على المجلس الوطني الفلسطيني دعونا نجيب على مجموعة من الأسئلة لربما أجبت عن بعضها في أحد البرامج الحوارية في فلسطين. وهي لماذا المجلس الوطني الفلسطيني؟ وما هي محطات الاجماع والاجتماع الفلسطينية؟ مع مسرد سريع لأهم المحطات البارزة في المجلس الوطني الحالي الذي نشأ عام 1964، لنعقب ذلك بالتعرض للمعضلة والمخاطر أمامنا ما بين الانسداد الداخلي والابتعاد العربي ثم النكوص الامريكي والغربي وصولا لمحاولة عرض البدائل والخيارات المتاحة.

لماذا المجلس الوطني الفلسطيني؟
إن منظمة التحرير الفلسطينية وإطارها التشريعي المجلس الوطني الفلسطيني واجب الانعقاد الدوري يمثل السلطة التشريعية الأولى للشعب الفلسطيني، ففي حين انتزعت (المنظمة) صفة أنها (الممثل الشرعي والوحيد) فإن هذه الشرعية تأتي من خلال التمثيل عبر (المجلس).

المنظمة والمجلس هما بيت الفلسطينين بالعالم ، ففي حين لا يمثل المجلس التشريعي إلا فئة قليلة من الفلسطينيين بالعالم، وهم المواطنين بالضفة ومنها القدس وفي غزة،ما تشكل دولة فلسطين بحدود 1967 فقط، فإن ولاية المجلس الوطني الفلسطيني تعني بكل فلسطينيي العالم وهي معنية بتمثيله تمثيلا حقيقيا.

لكل فلسطيني بالعالم الحق أن يصرخ ويُسمع صوته ضمن الإطار الجامع الذي أصابه الهزال والتآكل لعشرين عاما نعم، وعليه قامت محاولات عديدة لتجاوزه أو احيائه لكنها في غالبها لم تستطع أن تلقيه خلف ظهرها أبدا.

ما يعني رغم ذلك أن حاجتنا للدماء الجديدة في التصورات والخطط والأفكار والبرامج والآليات بل والأشخاص واجبه ضمن هذا الوعاء الواسع للـ 12 مليون فلسطيني، أي المجلس الوطني الفلسطيني ضمن منظمة التحرير الفلسطينية.

عقد جلسة المجلس الوطني الفلسطيني هو حلم طال انتظاره..! حيث لعبت في تأجيله تداخلات الإقليم، وضغوط المرحلة، وإهمال السياسيين الى حد قهرها للإطار التي تعني وجوب تشنيف الأذن للاستماع للصوت الآخر، ولا أحد يبغي أن يستمع للآخر لا سيما بعد الانقلاب الدموي في غزة.

عقد جلسة أو دورة المجلس واجبة من عشرين عاما، فهل نظل ننتظر ونضع العوائق أم نفكر بكيفية الحل وتمهيد الأرضية والسُبُل، وعلى الاقل نحن منذ اجتماع بيروت الذي حضرته جميع فصائل المنظمة وتلك التي خارجها في شهر يناير 2017 ما زلنا ننتظر؟

المجلس الوطني الفلسطيني هو الذي أنشأ السلطة عام 1996، وهو من يملك قرار تجاوزها لو شاء، لكن السلطة ابتلعته كما ابتلعت المنظمة، فهل لنا أن نخرج المنظمة والمجلس من فم الحوت؟ ونعمل معا لاستعادة المنظمة والمجلس من أسر السلطة هذا ما يتوجب علينا التفكير به بشكل جماعي.

محطات الاجماع الفلسطيني..
استطاع الشعب العربي الفلسطيني أن يدرك حجم الهجمة الصهيونية على فلسطين والمتآزرة مع الاستعمار الانجليزي منذ أواخر الدولة العثمانية، وبدايات الهجرة المنظمة من يهود العالم الى فلسطين وعلى قلتها آنذاك إلا أن ناقوس الخطر دُقّ بيد العرب الفلسطينيين.

وفي اطار الرفض للدخلاء قامت الحركة الجماهيرية الفلسطينية والعربية بالكثير الذي كان منه في الإطار الجامع تشكيل (المؤتمر العربي الفلسطيني) الذي عقد في فلسطين 7 مؤتمرات ما بين الاعوام (1919 – 1928) وفي محاولات أخرى متعثرة لاحقه كان للحاج أمين الحسيني السبق في اعلان استقلال فلسطين في المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في غزة عام 1948 ليقرر فلسطين بحدودها التاريخية، ويشكل حكومة عموم فلسطين،ويعتمد   علم الثورة العربية الكبرى (ثورة 1916 ضد الاستبداد العثماني) علما لفلسطين.

إلا أن فعالية المؤتمر الذي عقده الحاج أمين الحسيني أو الحكومة لم تتعدى التمثيل بالجامعة العربية وإصدار جوازات سفر، إلى أن استطاع أحمد أسعد الشقيري أن يجند كل الطاقات الفلسطينية عام 1964 في عقد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في مدينة القدس وهو المجلس الذي نتحدث عنه الذي يشكل الاطار التشريعي لمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف).

الهوامش:
(1)
  جاء في قرار "ترمب" يوم 4/12/2017 " " في الحقيقة نحن رفضنا الاعتراف بأي عاصمة إسرائيلية على الإطلاق، لكنا اليوم أخيرًا نعترف بما هو واضح، وهو أن القدس عاصمة "إسرائيل".وهذا ليس أقل أو أكثر من اعتراف بالواقع، بل هو أيضا الشيء الصحيح الذي يجب القيام به. إنه شيء يجب القيام به.لهذا السبب، وتماشيًا مع قانون سفارة القدس، أوجه الخارجية الأمريكية للمباشرة بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس." ومشيرا في سياق قراره الباطل لخرافة تعشعش في عقله واليمن المسيحي الانجليكاني إذ قال عن القدس أنها : "عاصمة الشعب اليهودي، التي أنشأت في العصور القديمة"، وحيث لم يوجد بالتاريخ مطلقا شيء اسمه الشعب البوذي او الهندوسي أو المسيحي او اليهودي بتاتا، بل هم أي اليهود قوميات متعددة اعتنقت الديانة اليهودية، ولم تكن قدسنا عاصمة لغير العرب من سكانها من القبائل المختلفة.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com