2018-03-22

لماذا الكشف عن قصف المنشأة السورية الآن..؟


بقلم: راسم عبيدات

في خطوة غير مألوفة وبعد احد عشر عاماً، كشفت اسرائيل عن انها في  أيلول 2007 قامت بقصف منشأة سورية نووية افتراضية، جرى تطويرها بالتعاون مع خبراء من كوريا الشمالية، منشأة "الكبر" في شمال شرق دير الزور.. وحينها قالت سوريا بانها منشأة عسكرية مهجورة، وبغض النظر عن ذلك، ولكن السؤال المحوري لماذا تكشف اسرائيل عن ذلك الآن..؟

واضح بأن هذا الكشف يحمل رسالة واضحة الى طهران بان مفاعلاتها النووية لن تكون بمنأى عن قصف الطائرات الإسرائيلية، كما حصل مع المفاعل النووي العراقي "تموز" في عام 1981، والمنشأة النووية السورية المزعومة.. ولكن ما كان ممكناً في ذلك الزمن لم يعد ممكناً في هذا الزمن، فاليوم اسرائيل امام محور يمتد من طهران وحتى صنعاء.. وأي قصف اسرائيلي للمنشأت النووية الإيرانية، سيجري الرد عليه من قبل طهران وبما يغرق اسرائيل بعشرات الالاف الصواريخ، وبما يقوض جبهتها الداخلية الهشة، فالمستشارة الألمانية ميركل قالت بشكل واضح لنتنياهو إن الغاء الإتفاق النووي مع طهران، قد يشعل فتيل حرباً شاملة في المنطقة، فكيف اذا ما جرى قصف منشأت ايران النووية المحصنة تحت الأرض والمحمية بشبكة صواريخ متطورة..؟

اسرائيل تشعر بأن قوة ردعها وتفوقها العسكري في المنطقة أخذة في التآكل وهي تعيش حالة إرباك غير مسبوقة، وتتخبط قياداتها العسكرية، فاليوم هي تدرك بعد ان جرى اسقاط احدث طائراتها (اف 16) بصاروخ سوري قديم خارج عن الخدمة، مما اجبرها على عدم التحليق في الأجواء السورية، او القيام بغارات جديدة بأن سوريا ومعها حلف المقاومة قد اتخذوا قراراً عسكرياً وسياسياً بالرد.. ولذلك طهران لا تخشى لا تهديدات واشنطن بإلغاء الاتفاق النووي ولا تهديدات اسرائيل بقصف مفاعلاتها، فهي باتت على قناعة تامة بان هذه التهديدات الفارغة والجوفاء، هي تعبير عن حالة إفلاس تعيشها دولة الإحتلال، هذه الدولة التي تشعر بأنه مع كل انتصار يحققه الجيش السوري على القوى الإرهابية والتكفيرية واستعادة المزيد من الجغرافيا السورية منها، يزيد من احتمالات الخطر على وجودها.. ولذلك هي تحاول رفع معنويات جيشها وجبهتها الداخلية.. فلا الزمن الذي قصفت فيه المفاعل النووي العراقي في عام 1981.. ولا الزمن الذي قصفت فيه المنشأة السورية المزعومة في شمال شرق دير الزور عام 2007، هو نفس الزمن، الآن كما قال سماحة السيد حسن نصر الله زمن الهزائم قد ولى والان زمن الإنتصارات، فما كان للبنان أن يتحدى دولة الإحتلال، ويقول لها بانه سيدافع عن سيادته وحدوده وعن حقوقه النفطية والغازية في مياه الإقليمية، لو كان الزمن نفس الزمن الذي مارست فيه اسرائيل عربدتها وبلطجتها، إسرائيل تحرض أمريكا على الغاء الاتفاق النووي مع طهران وتمارسان حرباً نفسية وتهويلية على محور المقاومة، حيث هددت الولايات المتحدة بشن عدوان على سوريا وربما على حزب الله وايران، تحت ذريعة استخدام الجيش السوري للسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية، ولكن تلك التهديدات وعمليات التحريض والتهديد بالعدوان على سوريا من قبل فرنسا وبريطانيا وامريكا جوبهت بموقف روسي حازم.

أي عدوان على سوريا او أحد حلفاء روسيا يعني رد روسي حازم في هذا الإتجاه، ولذلك الحشود والتحضيرات العسكرية الأمريكية في البحر والجو من اجل توجيه ضربة عسكرية لسوريا، من اجل انقاذ الجماعات الإرهابية التي تشغلها وتمولها في الغوطة الشرقية تراجعت الى حد كبير، حيث الرد الروسي الحازم، وكما فشلت أمريكا في هذا الجانب، لم تفلح الحملة التي شنتها بريطانيا على روسيا وتضامنت فيها فرنسا وامريكا معها بإتهام المخابرات الروسية بتسميم الجاسوس المزدوج سيرجي سكريبال وابنته بمادة كيماوية، في محاولة للربط ما بين استخدام القوات السورية للسلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية، وما بين عملية التسميم الروسي للجاسوس المزدوج، اولاً من اجل تبرير الحرب العدوانية من قبل أمريكا ومحورها البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي وتوابعه من مشيخات نفطية عربية وتركيا على سوريا، وثانياً للتأثير على مجرى الإنتخابات الرئاسية في روسيا، والتي فاز فيها القيصر بوتين بأغلبية كبيرة.

رغم كل التهويل والتهويش والتهديدات التي تطلقها واشنطن وتل أبيب على وجه الخصوص، وما تقوم به احدى المشيخات الخليجية من تحريض للإدارة الأمريكية لشن حرب عدوانية على سوريا، تدفع هي تكاليفها من اجل وقف تقدم الجيش السوري للسيطرة الكاملة على الغوطة الشرقية، وكذلك تحريضها على الغاء الاتفاق النووي مع طهران، فواضح بان ذلك لم ولن يفلح في منع انهيار الجماعات الإرهابية والتكفيرية، والتي باتت تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبأن المشروع الأمري صهيوني في المنطقة ينكفىء ويتراجع، وبان الجيش السوري يتجه نحو حسم سيطرته على اغلب الجغرافيا السورية، والذي سيضع الوجود الأمريكي والتركي غير الشرعي في سوريا موضع مساءلة من سوريا وروسيا ومطالبة لهما بإخراج قواتهما من الأراضي السورية، لأن ذلك يشكل تعدياً صارخاً على دولة ذات سيادة وإحتلال أرضها بالقوة، مما يوجب مقاومتها بكل الوسائل، بما في ذلك القوة العسكرية والمقاومة.

نعم الزمن تغير وما كان ممكناً في الزمن العراقي والسوري السابقين، لم يعد ممكناً الان، وهذه الحرب النفسية والإعلامية التي تواصل قوى العدوان شنها على سوريا وحزب الله وايران، لن تفلح لا في تغيير المعادلات، ولا في حرف انظار الإسرائيليين عن مسلسل الفساد المتلاحق الذي يعصف بنتنياهو ويهدد مستقبله السياسي، فمن بعد هزيمة الجيش الإسرائيلي الذي خاض اول حرب بالوكالة عن أمريكا في تموز 2006 ضد حزب الله من أجل خلق الشرق الأوسط الكبير الذي بشرت به وزير خارجية أمريكا آنذاك "كونداليزا رايس" وما تلاها من شنه لثلاثة حروب عدوانية على قطاع غزة ومقاومته (2008 -2009 و2012 و2014)، والتي لم تستطع ان تنتصر فيها إسرائيل على مقاومة محاصرة محدودة القدرات والإمكانيات، لم تعد إسرائيل صاحبة اليد الطولى والتفوق العسكري، الذي يمكنها من ضرب أي قوة او دولة تشعر انها تهدد امنها ووجودها، ولذلك التهديدات الإسرائيلية بتدمير أي قوة عسكرية عربية أو إسلامية تمتلك أسلحة من شانها ان تهدد امنها ووجودها، لم تعد تخيف  تلك الدول، فهناك إرادة للرد وقدرة على الرد، وهناك معادلات جديدة ترسم وتحالفات جديدة تنشأ، وكذلك الزمن الأمريكي والإسرائيلي، لم يعد ذلك الزمن فلا روسيا اليوم، هي روسيا غورباتشوف او يلتسن، ولا قدرات ايران وسوريا وحزب الله ومعهما بقية دول المحور، هي نفس القدرات السابقة، بل هناك تطور نوعي كبير في قدرات هذا المحور وقدرته على إلحاق هزيمة بإسرائيل والتصدي الفعال لكل من يقف الى جانبها ويدعمها من قوى دولية وإقليمية، ولذلك ما كشفت عنه إسرائيل من تدمير لمنشأة نووية سورية مفترضة في أيلول 2007، يندرج في إطار "البروغندا" والرسائل التي تريد أن توصلها لطهران بأنها لن تتواني عن تدمير مفاعلاتها النووية، وتريد أيضاً ان تطمئن جبهتها الداخلية، بانها قادرة على تصفية أي خطر وجودي يعصف بها.

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com