2018-03-21

المصالحة الفلسطينية الصفرية


بقلم: د. أحمد جميل عزم

ألقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يوم الاثنين خطاباً غاضباً تعقيباً على محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمدالله، ومدير المخابرات ماجد فرج، في قطاع غزة مؤخرا، قال فيه أموراً، ربما كانت متوقعة عام 2007، عندما وقع الانقسام وسيطرت حركة "حماس" على قطاع غزة بالقوة، ولكن ما لم يجرِ عند الانقسام وقع الآن، عقب محاولة الاغتيال. فما الذي يحدث؟

بعد ستة أشهر من بدء مسيرة الجولة الحالية للمصالحة الفلسطينية، اتضح أنّ قيادة "حماس" أو جزءا منها تريد عملية تفاوضية تتخلى بها عن أقل ما يمكن من صلاحيات وسلطة حكومة الأمر الواقع التي تقودها في غزة والتي تحولت لكيان غير معلن. في المقابل لا يريد الرئيس الفلسطيني أقل من 100 بالمئة من السلطة والصلاحيات، ولا يبدو أنّ التوحد على قاعدة جعل مواجهة الاحتلال بعيدة المدى الأساس والأولوية، أمر وارد حالياً على الأقل، كما لا توجد قناعة بإمكانية الشراكة في ذلك.

لعل من أكثر ما برز في خطاب الرئيس الفلسطيني، اتهامه إسرائيل والولايات المتحدة بأنها من يقف خلف انقلاب "حماس". وبغض النظر عن جدية اعتقاد الرئيس بذلك، وعن احتمالية أنه يرد على اتهامات "حماس" المشابهة عادةً للرئاسة الفلسطينية، فإنّ مثل هذا الاتهام يعكس ردة فعل على اجتماع البيت الأبيض الأسبوع الفائت، بشأن ما يسمى الأوضاع الإنسانية في غزة، فقبل هذا عتب مسؤولون في رام الله، على مصر أنها تقوم "بتنفيس" إجراءات السلطة في غزة. وبالتالي هناك شعور لدى قيادة السلطة الفلسطينية، أنّ الطرفين الأميركي والإسرائيلي، على استعداد لتقليل الاحتقان والضغط في غزة، والتفاهم مع "حماس" حتى لو كان هذا يعني منع تمكين السلطة، وهناك تصور أن الطرف الإسرائيلي يعيق التمكين من جهة ويقدم بدائل للقطاع، وبالتالي لحماس، من جهة أخرى، وأن هذا لا يبتعد عما تفعله أطراف إقليمية، تقاطع القيادة الفلسطينية، وتدعم أطرافا فلسطينية غير القيادة الرسمية.

يريد الرئيس الفلسطيني "احتكار" السلطة لكل السلطات في غزة، بدءا، من الأمن والمساعدات وجباية الضرائب والرواتب، والمعابر.. إلخ. في المقابل ترفض "حماس" عملياً التنازل عن السلطة في مجالات عدة وتضع شروطا مسبقة كثيرة للتراجع، وبرز مؤخرا بشكل خاص موضوع جباية الرسوم والأموال.
 
في علم "الصراع" يعرف الصراع الصفري أنّه عندما يرى طرف أن كل ما يقدمه هو خسارة له ومكسب للآخر، وكل ما يخسره الآخر مكسب له. ولا حل وسطا حقيقيا، ولا قضية مشتركة يمكن أن يتعاونا عليها ليخرج كلاهما فائزين. ويصعب القول إنّ هذا هو حقاً الموقف في الساحة الفلسطينية، ولكن في النتيجة يبدو المشهد "صفرياً".

لعل مما يثير التساؤل لماذا تراجع دور يحيى السنوار، رئيس "حماس" في مشهد غزة كثيراً؟ وهل حقاً هناك آخرون في "حماس"، وتحديداً فتحي حمّاد، بحسب مزاعم مصادر حركة "فتح" يقود جناحاً مختلفاً، مدعوما خارجياً (إيرانياً)؟ غير معني بفقدان أي مصدر للقوة؟

يمكن الافتراض جدلاً أنّ هذا صحيح، ولكنه يثير تساؤلا مفاده لماذا لا تستغل القيادة الفلسطينية الموقف وتقوي التيار الأقرب للمصالحة؟

ربما يكون السبب أنه لا يوجد تباين حقيقي في "حماس"، وربما أيضاً أن الرئيس الفلسطيني، ونمط شخصيته، لا يؤمن كثيرا بالمناورات والقنوات الخلفية مع القوى الفلسطينية، ويريد حسم كل شيء بوضوح ومرة واحدة.

إنّ جزءا مما يحدث هو ميل "حماس" لمرحَلة التفاوض (التفاوض على مرحل) مع الرئيس الفلسطيني، بحيث لا تتنازل إلا عن القليل في كل مرحلة، وتبقي ملفات مفتوحة للمجهول، مثل "المعابر"، و"الأنفاق"، والأمن، والجباية المالية، وسلاح كتائب عزالدين القسام. أمّا الرئيس الفلسطيني فقد وافق وعلى مضض على تأخير بحث سلاح كتائب القسام، وليس الأمور الأخرى. وهو لا يرى في التصريحات الإسرائيلية والأميركية حول منع انفجار الأوضاع المعيشية في غزة، إلا محاولة أولاً للتهرب من حل سياسي للقضية الفلسطينية باحتواء الوضع معيشياً، ولإفشال خطته بالضغط على "حماس" لتقدم ما يريد من عودة السلطة كاملة للقطاع. 

التركيز على العلاقة في غزة، دون باقي الملفات الوطنية، يُساهم جزئياً في استمرار مأزق غزة، وعدم التوصل لشراكة وطنية.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com