2018-03-20

هل الحرب وشيكة بين إسرائيل وإيران وحليفها حزب الله؟


بقلم: د. ألون بن مئيــر

الإنتهاك الأخير للمجال الجوي الإسرائيلي من قبل طائرة إيرانية بدون طيار وانتقام إسرائيل بضرب الأهداف السورية والإيرانية قد حذر العديد من المراقبين من أن التوتر الإقليمي المتنامي الناتج عن مثل هذه الحوادث قد يعجل بحرب بين إسرائيل وإيران وحليفها حزب الله، وربما عن غير قصد مع سوريا. أنا لا أتفق مع هذا التكهن وأقول بأن لا أحد من اللاعبين المشاركين يريد الدخول في حرب من شأنها إلحاق الدمار والخسائر الهائلة دون تحقيق أي مكاسب مستدامة على المدى الطويل. غير أن هذا لا يستثني وقوع حرب عرضية ناجمة عن حادث غير مقصود أو سوء تقدير.

وبغض النظر عن حدة التصريحات والتهديدات العامة المتبادلة لكل لاعب، فإن أفضل ما يخدم مصالحهم الإستراتيجية هو تجنب الحرب. ويصبح السؤال بعد ذلك: ما هو نوع التدابير الاحترازية التي ينبغي اتخاذها من قبل اللاعبين المعنيين ، وخاصة روسيا، بالتعاون مع الولايات المتحدة ، لمنع مثل هذا التطور المشؤوم؟

إن المصلحة الإستراتيجية العامّة لإيران هي أن تصبح القوّة المهيمنة في المنطقة، وأنها مصممة على تحقيق هدفها من خلال تأمين أول كتلة أرضية متماسكة بجوارها من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث تشكل سوريا نقطة حاسمة الأهمية، وتخلق جبهة موحدة لتهديد إسرائيل. ولحماية قاعدتها ونفوذها في سوريا، سارعت إيران إلى استغلال الحرب الأهلية من خلال تزويد نظام الأسد بمئات الملايين من الدولارات وآلاف من المقاتلين المدربين جيداً والمعدات العسكرية لمساعدته على هزيمة المتمردين وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”. وبعد أن تحمّلت إيران في هذه الحرب أكثر من 500 قتيل، أصبحت أكثر تصميماً على جني ثمار جهودها من خلال السعي إلى إقامة وجود عسكري دائم في البلاد.

الهدف الثاني لإيران هو الحفاظ على حالة من التهديد المستمر ضد ألد أعداءها، وهي إسرائيل، من خلال السعي إلى إقامة تواجد عسكري بالقرب من الحدود الإسرائيلية. وتستخدم إيران إسرائيل كصرخة لجمع المتطرفين العنيفين لدعم حروبها بالوكالة وتعزيز أجندتها الإقليمية. ومن خلال مواصلة هجومها العلني ضد إسرائيل ، تأمل إيران في الحفاظ على العداوة إزاء “التهديد الإسرائيلي” ضد العالم الإسلامي.

إضافة إلى ذلك، تواصل إيران تعزيز ترسانات حزب الله في لبنان؛ أولاً، لأنها تريد تأمين موطئ قدم لها في لبنان. ثانياً، لأنها تريد أن تفتح ثلاث جبهات استراتيجية – في سوريا ولبنان وربما في غزة أيضا ً عن طريق حماس – تستطيع من خلالها أن ترعب إسرائيل وتختبر عزمها وتخلق توترات جديدة خاضعة للتحكم، كما فعلت في الآونة الأخيرة بإطلاق طائرة بدون طيار فوق سماء إسرائيلية، والتي سرعان ما أسقطتها إسرائيل.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تبجحها، لا تريد طهران تحدي إسرائيل عسكريًا مدركة ً بأن الأعمال العدائية المفتوحة الآن وحتى تلك التي قد تحدث في المستقبل المنظور يمكن أن تثير ردًا إسرائيليًا هائلًا يتجاوز الحد الذي حدث بعد التوغل الإيراني في المجال الجوي الإسرائيلي،هذا مع إحتمال إلحاق هزيمة مهينة بإيران.

وأخيراً، تريد إيران الحفاظ على الصفقة الإيرانية ولا تريد إعطاء مبررات لترامب لإبطالها. ومع ذلك  وعلى الرغم من أن ترامب قد ينسحب من الصفقة، فإن إيران تريد أن تظل في وضع ٍ جيد مع الدول الخمسة الأخرى الموقعة على الإتفاق لمنع استئناف العقوبات، خاصة في وقت الجمهور الإيراني هادىء ويطالب بتحسين الظروف الإقتصادية وحريات اجتماعية أكبر.

ولمنع أي خطأ في التقدير يمكن أن يؤدي إلى حرب كارثية مع إسرائيل، يجب على إيران بدلاً من ذلك أن تمتثل وتمتنع عن إنشاء قواعد عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية وأن تبنيها إلى الشمال في سوريا. وبذلك ستساعد إيران أيضًا في منع أي تهديد جدي لقبضة الأسد على السلطة التي تبرر طهران الحفاظ عليها بوجودها المستمر في البلاد، والتي، على أي حال، تفترض أولوية قصوى في مخططها للهيمنة الإقليمية.

ويجدرمن باب الحكمة لطهران أن تكبح جماح حزب الله وتمنعه من استفزاز إسرائيل، لأن أي حرب بين إسرائيل وحزب الله يمكن أن تدمر الكثير من بنيته التحتية ومخزونه من الصواريخ. فبعد كل شيء، إيران معنيّة أكثر بالحفاظ على التهديد ضد إسرائيل من الجبهة اللبنانية التي تخدم مصالحها الإستراتيجية طويلة المدى من خلال ترسيخ أقدامها في لبنان فقط بالحفاظ على حزب الله قويّا ً.

إنضمّ حزب الله للجيش السوري لمحاربة التمرد في الحرب الأهلية المستمرة. وعلى الرغم من أن الكثير من قوته المقاتلة أصبحت أكثر صلابة، فإن حزب الله يتعرض الآن لضغوط متزايدة للتركيز على إعادة بعض الأمور الطبيعية إلى المجتمع الشيعي الأكبر في لبنان، هذا في الوقت الذي يعيد فيه تجميع قواه من جديد في العملية. لقد تكبّد حزب الله حوالي 1.300 قتيل، ولبنان نفسه عانى كثيراً من الحرب الأهلية السورية وما زال يدفع ثمناً باهظاً في جهوده لاستيعاب أكثر من مليون لاجئ سوري.

سيحافظ حزب الله، بمساندة كاملة من إيران، على وضعه التهديدي تجاه إسرائيل، وذلك من خلال مواصلة جهوده لزيادة مخزونه من الأسلحة، لكنه لن يتحدى إسرائيل عسكريا. ويدرك حزب الله أن عتبة تحمّل إسرائيل بالنسبة للإصابات البشريّة منخفضة للغاية، فموت 40- 50 إسرائيلياً بنيران الصواريخ التي قد يطلقها حزب الله سيثير ضربات انتقامية هائلة يمكن أن تسبب الآلاف من الضحايا اللبنانيين، وهو ما يريد حزب الله تفاديه. على أي حال، لن يشرع حزب الله في أي أعمال عدائية ضد إسرائيل دون موافقة طهران لأن مثل هذه الخطوة لا تخدم طموحات إيران الإستراتيجية الإقليمية.

ستواصل إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف مهاجمة القوافل التي تحمل أسلحة من إيران إلى حزب الله، كما ستستهدف أية منشآت لتصنيع الأسلحة على الأراضي اللبنانية. هذا، بطبيعة الحال، يحمل مخاطر معينة من تصعيد الأعمال العدائية. ولكن بما أن حزب الله وإيران يريدان تجنب الحرب، فإنهما سيعالجان مثل هذه الهجمات الإسرائيلية بنفس الطريقة التي عالجتا بها الهجمات السابقة – بالقول القليل والفعل الذي أقل من ذلك. لكن هذا لا يوحي بأن لإسرائيل الحرية في القيام بما تريده. سوف تقاس الضربات الإسرائيلية على خلفية الجوّ العام الذي تقيده رغبة إسرائيل نفسها في تجنب حرب مفتوحة طالما أنها لا تهدد وجودها.

نظام الأسد: منذ أن تولى السلطة في عام 2000، لم يفكر الرئيس الأسد في شن حرب ضد إسرائيل. لقد التزم كليّا ً، مثل والده، باتفاقية فك الإرتباط مع إسرائيل المبرمة عام 1974. قام الأسد في الواقع خلال فترة حكمه بالعديد من مبادرات السلام تجاه إسرائيل، معتقداً أن الإستقرار والإزدهار المستقبلي لسوريا يعتمدان على السلام مع إسرائيل، أو على الحد الأدنى من غياب الأعمال العدائية.

فمنذ اندلاع الحرب الأهلية ، تأكد الأسد من عدم إعطاء إسرائيل أي مبرّر لدخول النزاع. والآن بعد أن أصبح على وشك الفوز ضد المتمردين وداعش ، وبدعم أساسي من روسيا وإيران، هو أكثر تصميما على تجنب أية مواجهة عسكرية مع إسرائيل ، التي – على وجه الخصوص – تتجنبها روسيا تحت أي ظرف من الظروف.

يجد الأسد نفسه، على أية حال، كمن هو مزنوق بين صخرة ومكان صعب: فمن ناحية يدرك أن بقاءه يعتمد على الدعم المستمر من إيران وروسيا، ومن ناحية أخرى يريد أن يبقي إيران تحت السيطرة لتجنب حرب مع إسرائيل. وهو بهذا الصدد يتفق إتفاقا ً تاماً مع روسيا التي تريد أيضاً أن تبقي إيران في مكانها.

ولتجنب أي سوء تقدير قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران، يجب على الأسد نفسه أن يسيطر على إيران وأن يمنعها من إقامة أي منشآت عسكرية قريبة من الحدود الإسرائيلية. ويمكن أن يوضح الأسد ذلك بأن مثل هذا الوجود العسكري الإيراني سوف يحفّز للقيام بهجمات إسرائيلية التي يمكن أن تورط سوريا وتقوض أمنها القومي بشدة. ويمكن للأسد، في هذا الصدد، الإعتماد على روسيا لدعم موقفه، خاصة لأن موسكو نفسها لا تسمح ولن تسمح لإيران بأن تكون لها اليد الحرة في سوريا.

ومع اقتراب هزيمة “داعش” وخمود النزاع مع المتمردين، يجب أن يصر الأسد على ضرورة أن تغادر الميليشيات الإيرانية البلاد ، فأغلبيتهم ليسوا إيرانيين وولاءهم هو لأجرهم وليس لقضية إيران.

ينبغي على الأسد أن يرسل رسالة واضحة عبر القنوات المناسبة لإسرائيل مفادها بأنه لا يريد التورّط مع إسرائيل عسكرياً ولن تقنعه إيران للتفكير بخلاف ذلك. وبهذا الصدد ستقدم روسيا بالتأكيد دعمها الكامل للأسد.

وأخيراً ، وبغض النظر عن مدى مديونية الأسد بالفضل لحزب الله ، فإنه لا يزال في وضع يسمح له بمطالبة حزب الله بعدم إستفزاز إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف من الأراضي السورية. وحتّى أبعد من ذلك، إذا كان الأسد يريد استعادة الإستقرار والبدء في إعادة بناء بلده، ينبغي عليه تطهير البلد من أي محرضين محتملين. هذا يعني أن الأسد ينبغي ألا يسمح بوجود دائم لحزب الله في سوريا، الذي لا يثير إلا هجمات إسرائيلية في حالة وقوع أي أعمال عدائية أو عن سابق إصرار بين إسرائيل وحزب الله.

تنظر إسرائيل إلى إيران على أنها العدو الأول العازم على تدميرها وهي مصممة على تدمير أي قواعد عسكرية إيرانية في سوريا تتواجد على مقربة من حدودها. كما ستواصل إسرائيل ، كما فعلت في الماضي ، مهاجمة القوافل التي تنقل أسلحة متطورة من إيران إلى حزب الله عبر سوريا. وتتهم إسرائيل إيران بالإنخراط بانتظام في أنشطة تخريبية لتقويض أمنها وتحريض الفلسطينيين على معارضة إحتلال الضفة الغربية والحصار المفروض على غزة بالعنف. تعتقد إسرائيل أن إيران عاقدة العزم على امتلاك أسلحة نووية بمجرد انتهاء “بنود الغروب” في خطة العمل الشاملة المشتركة (الصفقة الإيرانية) ،( أيّ توقف الصفقة عن مفعولها بعد فترة محدّدة، هذا إلاّ إذا تمّ تمديد الإتفاق أو تعديله) ، ولا سيما المرحلة الأولى التي سيُسمح بعدها لإيران باستئناف تدريجي (مع بعض القيود) لتخصيب اليورانيوم. ولهذا السبب تبذل إسرائيل جهوداً حثيثة لإقناع إدارة ترامب ، كما قال رئيس الوزراء نتنياهو ، “لتعديلها أو إبطالها”.

وعلى الرغم من أن إسرائيل واثقة من أنها تستطيع كسب أي مواجهة عسكرية مع الأعداء المحيطين بها ، فقد توصلت إلى أنه لن تكون هناك فائدة على المدى الطويل من خلال شن هجمات وقائية ضد القوات الإيرانية أو السورية أو حزب الله. فلتدمير مخزون حزب الله من الصواريخ البالغ عددها حوالي 150.000 صاروخ قصير ومتوسط المدى المخبّأة داخل التجمعات السكانية المدنية، سيتعين على إسرائيل أن تقوم، على الأقل جزئيا ، بقصف بساطي يمكن أن يسفر عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين. سوف تضرب إسرائيل بشكل استباقي فقط إذا واجهت تهديدًا وشيكًا.

ليس لدى إسرائيل عداء ضد النظام السوري في حد ذاته وترغب في بقاء الأسد في السلطة طالما أنه يحد من مجال المناورة الإيرانية ويحقق تفاهماً واضحاً مع إيران بأنه لن يسمح لسوريا بأن تصبح ساحة معركة بين إسرائيل وإيران وحليفها حزب الله.

ولمنع أي سوء فهم أو سوء تقدير ، يجب على إسرائيل أن توضح أنها تريد الإبتعاد عن الحرب في سوريا. هذا ما يجب على إسرائيل أن تكرره بشدة لإيران وحزب الله من خلال روسيا أنها في حالة واجهت أي تهديدات، فسوف تنتقم بقوة هائلة غير متناسبة مع أي استفزاز من أي من الطرفين.

يجب على إسرائيل أن تحدد بشكل واضح وعلني ما يشكل بالنسبة لها إجراءات إستفزازية والتي تشمل من المنظور الإسرائيلي انتهاك مجالها الجوي أو إطلاق الصواريخ أو تسلل إرهابيين ينطلقون من الأراضي اللبنانية أو السورية. وينبغي أن توضح إسرائيل أن أيًا من هذه الإنتهاكات يشكل خطًا أحمرًا لا يُسمح لإيران أو لأيّ من أتباعها أو حلفائها تخطيه بدون عقاب.

كما وينبغي على إسرائيل أن توضح بشكل لا لبس فيه لطهران عبر روسيا أنها ستدمر أي منشآت عسكرية بالقرب من حدودها ، وإذا قامت إيران بهجوم مضاد ، فإن إسرائيل لن تتردد ، كما قال نتنياهو مؤخراً ، في قصف أهداف محددة على الأراضي الإيرانية. على أية حال ، فإن الجمهور الإسرائيلي متناغم نفسياً مع الخطر الإيراني ويتوقع أن تتخذ حكومته أي إجراءات ضرورية لإلحاق ضرر فعلي بالعدو.

روسيا هي القوة الوسيطة الأكثر سيطرة في سوريا ، ولا يمكن أن يحدث أي حل للحرب الأهلية السورية أو إقامة أي نظام سياسي جديد بين الفصائل المختلفة دون موافقة روسيا. لقد كان لروسيا وجود في سوريا يعود إلى ما يقرب من 50 عامًا عندما أقامت موسكو قاعدتها البحرية في طرطوس وكان لديها دائمًا الطموح لملء الفراغ الذي خلقته إدارة أوباما التي اختارت البقاء إلى حد بعيد خارج الصراع في سوريا.

انتهز الكرملين الفرصة ليهبّ لمساعدة نظام الأسد الذي كان على وشك الإنهيار وذلك من خلال إرسال قوات برية بالإضافة إلى القوات الجوية لقصف العديد من أهداف الثوار وداعش ، والتي حولت مدّ الحرب لصالحه. تستخدم روسيا الآن وجودها المهيمن في سوريا كنقطة انطلاق يمكنها من خلالها ممارسة نفوذ أكبر في جميع أنحاء الشرق الأوسط ، وهو موقع كانت تسعى إليه طوال السنوات العشر الماضية.

وحتى إسرائيل التي تسعى تقليديا إلى الحصول على ضوء أخضر من الولايات المتحدة قبل أن تقوم بأي ضربات عسكرية كبيرة، يجب أن تتلقى الآن موافقة روسيا قبل أن تهاجم منشآت الأسد وإيران العسكرية في سوريا. وعلى الرغم من أن روسيا وإيران تتعاونان للدفاع عن الأسد، فإن روسيا تريد الحد من نفوذ إيران في سوريا، لأنها تريد أن تبقى القوة الرئيسية الوسيطة في سوريا، ولأنها تريد إلى حدّ ما منع أي مواجهة عنيفة بين إسرائيل وإيران لتجنب المزيد من عدم الإستقرار في سوريا، الأمر الذي من شأنه أن يقوض مصالحها الإستراتيجية.

من المؤكد أن بوتين يريد تأمين موقع روسيا الخاص في سوريا وهو مصمم على منع إيران وحزب الله وإسرائيل، وحتى الولايات المتحدة، من إلحاق الضرر بمكاسبه ونفوذه، ولن يسمح لأي من الخصوم بالتدخل دون تعاون روسي.

وهكذا، فإن روسيا في وضع فريد لمنع أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى حرب غير مقصودة، ولهذا الغرض يجب على بوتين أن يضع قواعد الإشتباك التي يجب على جميع المقاتلين الالتزام بها، هذا إلا إذا واجهوا تهديدًا وجوديًا وشيكًا:

أولاً، يجب على روسيا أن توضح لإيران أنه لن يُسمح لها بإنشاء أي قواعد عسكرية بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

ثانياً، ينبغي أن ترسل رسالة واضحة إلى حزب الله بأنه يجب عليه عدم النزوع لاستفزاز إسرائيل لأنه لا يمكن لروسيا في هذا الصدد منع إسرائيل من القيام بعملية انتقامية ضخمة قد تقوض مصلحة موسكو الإستراتيجية.

ثالثاً، يجب على بوتين إقناع تركيا بوقف توغلها في الأراضي السورية وأن يحرّر أردوغان من وهمه إخضاع الأكراد السوريين، لأن هذا سيزيد من تفاقم الصراع وإطالة أمده في سوريا. بوتين مقتنع بأن تركيا تريد الحفاظ على وجود دائم في سوريا، وهذا بحدّ ذاته وصفة لاستمرار العنف بين القوات التركية ووحدات حماية الشعب، وهو عامل آخر مزعزع للاستقرار.

رابعاً ، يجب أن يسعى بوتين الآن إلى إشراك الولايات المتحدة في البحث عن حل دائم للحرب الأهلية في سوريا. تبقى الولايات المتحدة قوة إقليمية مهيمنة ، وعلى الرغم من أن روسيا هي الوسيط الرئيسي للسلطة في سوريا ، إلا أن دعم الولايات المتحدة يبقى حاسماً إذا لم يكن لأي سبب آخر فلأنّ للولايات المتحدة علاقات وثيقة مع إسرائيل ، وأنها قد تنجذب إلى أي حرب مستقبلية بين إسرائيل وايران مع حليفها حزب الله.

الولايات المتحدة: تواجه للأسف إدارة ترامب – التي اتبعت تجاه سوريا سياسة أوباما إلى حد كبير- الآن واقعاً جديداً. لا يبدو أن لدى الولايات المتحدة في ظل ترامب استراتيجية واضحة حول كيفية التعامل مع النزاع. وعلاوة على ذلك، فإن الحد من التدخل الأمريكي المباشر في الصراع لردع الأسد فقط عن استخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه ، كما فعل ترامب مرة واحدة من قبل، لم يكن له تأثير يذكر على مسار الحرب وعلى سلوك الأسد، طالما هذا الأخير بإمكانه الإعتماد على الدعم الروسي.

يختلف الوضع الحالي في سوريا لأربعة أسباب: 1) الرئيس الأسد ، الذي استبعدته إدارة أوباما من كونه جزءاً من الحل ، مكفول أن يبقى رئيسا ً و”سينتخب مرّة أخرى” بالتأكيد بمجرد إجراء انتخابات جديدة. 2) انخراط إيران المباشر في الحرب الأهلية السورية وطموحها في ترسيخ نفسها بالكامل في البلاد هو حقيقة ترى إسرائيل أنها تهديد لأمنها ؛ 3) حتى عندما تنتهي الحرب الأهلية ، سيظلّ الصراع الطائفي والتنافس على السلطة شبحا ً يطارد البلاد لسنوات ، وهو وصفة لزعزعة الإستقرار التي تؤثر على الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة ؛ و 4) جزء كبير من البلاد مدمّر وسيتطلب عشرات المليارات من الدولارات من أجل إعادة إعماره ، الأمر الذي سيتطلّب من الدور القيادي للولايات المتحدة رفع الأموال اللازمة.

ولمنع سوء تقدير قد يؤدي إلى حرب غير مقصودة بين إسرائيل وإيران وحليفها حزب الله، وربما تورط سوريا غير المقصود ، يجب على الولايات المتحدة:

أ) الإبقاء على وجود القوات الأمريكية والمستشارين الذين تم إرسالهم إلى سوريا لمحاربة داعش ، وحتى زيادة تعزيزاتهم لتزويد الولايات المتحدة بالنفوذ الذي تحتاجه للعب دور مهم في البحث عن حل بالتنسيق مع روسيا.

ب) يجب على الولايات المتحدة إعادة تأكيد التزامها بالأمن القومي لإسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، وبصرف النظر عن التنسيق الدفاعي الإستراتيجي الحالي بين البلدين، ينبغي على إدارة ترامب أن تنظر في إصدار بيان، على طول خط التزامها بحلف الناتو، تعلن فيه أن أي هجوم كبير على إسرائيل سيشكل هجومًا على الولايات المتحدة. وهذا من شأنه أن يردع إيران من مجرد التفكير في أي أعمال عدائية كبرى ضد إسرائيل.

ج) من الناحية المثالية، ينبغي أن يركز ترامب على تعديل الصفقة الإيرانية بالتعاون مع الدول الخمس الموقعة الأخرى، وأن يفعل ذلك من خلال القنوات الدبلوماسية بدلاً من إصدار إنذار نهائي للانسحاب منها بالكامل بحلول شهر مايو ، الأمر الذي لن يؤدي إلا إلى زيادة التوترات الإقليمية. وأخذا ً بعين الإعتبار إزدراء ترامب تجاه إيران ووصفه الإتفاق على أنه “الأسوأ على الإطلاق”، فإنه قد يواصل الإنسحاب من الصفقة. ومع ذلك لا ينبغي عليه، على الأقل، أن يعيد فرض العقوبات حتى تتاح الفرصة أمام الموقعين الآخرين لتعديل الصفقة من خلال المفاوضات.

وإلا، فإن الإنسحاب المتهور من الصفقة لن يؤدي إلا إلى زعزعة الإيرانيين وقد يدفعهم إلى التخلي عنها تماماً، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتشار نووي إقليمي تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة تجنبه. زد على ذلك، ففي وقت تريد الولايات المتحدة التفاوض على نزع الأسلحة النووية مع كوريا الشمالية ينبغي عليها ألا تلغي الصفقة الإيرانية من جانب واحد وتتوقع أن يثق الكوريون الشماليون بالولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها.

المفارقة هي أن لا أحد من اللاعبين المشاركين بشكل مباشر أو غير مباشر في الحرب الأهلية في سوريا يريد تصعيد الصراع بتهديد إسرائيل التي لن تتوقف عن أي شيء لحماية أمنها القومي، خاصة إذا كان التهديد يعتبر وجودياً. وكما يعرف كل طرف أيضا ً أنه بغض النظر عن مدى الضرر الذي قد تتكبده إسرائيل في مثل هذه الحرب، فسوف تخرج منتصرة ً بينما ستلحق ضررا لم يسبق له مثيل لأعدائها.

وفي التحليل النهائي، يتم قياس أي حل للنزاع من خلال الخسائر أو المكاسب المتوقعة. لا يوجد شيء هنا يشير إلى أن أي طرف من الأطراف المعنية يتوقع تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأجل يمكن أن تبرر حرباً كارثية. يمكن أن تندلع حرب نتيجة لسوء التقدير، ولكن يمكن تجنبها. وعلى روسيا، بشكل ٍ خاصّ، والولايات المتحدة أن يتعاونا سويّا ً ويضغطا بشدة على عملائهما لمنع مثل هذا الخطأ في التقدير.

* أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية في جامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط بمعهد السياسة الدوليــة. - alon@alonben-meir.com