2018-03-15

"كل عَيب أُحبّه فيك، إلا غيابك"..!


بقلم: فراس ياغي

ليلى كانت الحلم وهي مُستَقبلي المجهول.. تنهد حسن وقال: هي من جناح الوطن المحاصر وأنا من جناحه المُحتَل، هي تحت حكم الذين إنقلبوا وعادوا وأنا تحت حكم مَن عادوا قبل عشرين عاماً بلا سيادة فِعلية وبلا سيطرة على الأرض، هي من جناح الوطن المتواصل مع بعضه، وأنا من الجناح المُقطع جغرافيا والمطوق بجدرٍ عنصريه. راحت ليلى.. صرخة من أعماق قلبه.. أنفاسه ضاقت به وهو ضاق بكل الأنفاس حوله.. فـ "ليلى" لم تَعُدْ له وذهبت لواقعها ونَسِيَت أحلامها.

واقع أليم يعيشه الشعب الفلسطيني مثله "حسن" و"ليلى" فيما يُسمى الداخل الذي أصبح في الحقيقه عِدة "دواخل" أما الشتات فأصبح "أشتات"، لقد أصبح هذا الإنسان المتمسك بفلسطينيته يصارع الحياة وما بعد الحياة، ويطالب قياداته قبل أن يُطالب أحداً آخر بأن تنظر إليه كإنسان بعيداً عن كافة المسميات الأخرى التي شكلت العبء وراء العبء عليه وعلى حياته.

الإنقسام لم يكن وصفة فلسطينية ولم يكن للشعب الفلسطيني دوراً فيه، هو نتاج صراعات حزبية مثلتها قيادات مُستفيدة وتدخلات إقليمية إعترفت بدورها ولا تزال.. لكن المعاناة كالعادة تَمسُّ المجتمع ككل والإنسان العادي والفقير بالذات، أما القيادات والنخب وأصحاب "التمكين" فلا خوف عليهم ولن يتغير عليهم شيء، فهم قادريين على السفر والعلاج والأكل والدراسة واللبس والتعليم ولديهم ما يكفي من البيوت الفاخرة والعادية في الداخل والخارج.

أيها الناس: ليس بالخطب والكلمات الرنانة تُحل مشاكلنا، ولا بالدعاءِ وحده يحيا الإنسان، ولا باللقاءات التي أتخمت ومَلَّ الناس منها ينتهي الإنقسام، ولا بالإتهامات ورد الإتهام يتم تبرير ما كان وسَيكون، وحدة الجغرافيا غير مُمكنة بدون وحدة النظام السياسي والإداري والقانوني فكيف يكون الوضعُ حين يكون بين جناحي الوطن مساحة إحتلال، ليس كأرض فقط وإنما وصلت للعقليةِ التي لا ترى غيرها ولا يعنيها ما يعني طموحات وآمال شعبها، فأين نحن من العدالة الإجتماعية النسبية؟!

إنني أسجل هنا إتفاقي مع كل من يقول أن الوضع صعب ومعقد والآفاق محدودة، ولكن السؤال: متى كان الوضع يزهوا بآمالٍ واقعية؟ والحقيقة أن البعض من النخب عَكسَ أحلامه وتوقعاته وجعلَ منها واقعا كُلّه آمال، فمثلا "أوسلو" بكلَّ حيثياته وبنوده لا ولم يؤسس لدولة ولا لسيادة ولم يضع حداً للإحتلال، والواقع بعد عشرين عاما يعكس ذلك بوضوح، صحيح أنه اسس لكيانية فلسطينية لا أعرف كيف يمكن وصفها في علم السياسية ولا أريد أن أقدم لها وصف محدد لأنها على أرض الواقع مُشوهة وأصبحت تُمثل كوكتيل في حدوده وحيثياته عبثية وطنية نابعة من شراكة إقتصادية أساسها التبعية والربح الوفير للنخبة الإقتصادية المُسيطرة وهمها ألـ "بزنس" وتُفكر في حمايته وتعميقه وتطويره بغض النظر عن مفهوم السيادة أحيانا، هل هذا هو "الشرق الأوسط الجديد" للراحل شمعون بيرس؟!

إن الشعب الفلسطيني الذي خَسِرَ كلّ شيء عام 1948 وكانت النكبة، ثم جاء عام 1967 لتعزز خساراته، لا يمكن وفي القرن الواحد والعشرين أن يخسر حياته وآماله وطموحاته بسبب من نُخب لا ترى في الوضع القائم إلا التعقيد وعدم القدرة ولا تُفكر إلا بطريقة يائسة وبنظرة تشاؤمية.. الوحدة في النظام السياسي الفلسطيني والوحدة الوطنية بين فئات وتيارات وأحزاب الشعب الفلسطيني هي الوصفة الأولى للخروج من الدائرة الأولى للحصار والفكر المُنغلق والفئوية المقيتة.. إنني لا أستطيع ولا يُمكنني أن أتفق او أتَفهّم مع من لا يرى أن الوطن اسمى منه ومن حركته وحزبه، وان مواجهة أفكار وطروحات رئيس البيت الأبيض الأمريكي "ترامب" تبدأ بوحدة الشعب الفلسطيني عبر ممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية وعبر مؤسسات "السلطة الفلسطينية" التي اساسها خدماتي وتُمثل نوعا من واقع سيادي محدود جداً ورمزي لكنه يؤسس لمستقبل الكيانية الفلسطينية المنشودة.

لا مجال لمن يريد أن يحافظ على الثوابت الوطنية، إلا أن يُبقي الأمل قائماً، وهذا لا يأتي بالخطابات والكلمات والدعوات والرفض وقول "لا"، إنما بخطوات عملية تبدأ بوحدة وطنية وإجراء إنتخابات حرة لتجديد كافة الشرعيات، يقول الخالد درويش "كل عَيب أُحبّه فيك، إلا غيابك"، وغياب الوحدة الوطنية هو العَيب غيرِ المقبول والوصفة التي سَتُحيلنا إلى أشلاء مُتناثرة فلا يُعقل أن يصبح مصيرنا كمصير الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية "الهنود الحمر"، أليس ما يجري الآن يؤسس لذاك المصير؟!

ودمتم ودام الوطن والمواطن وفلسطين وشعبها..!

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - Firas94@yahoo.com