2018-03-14

أسباب ضياع فلسطين في رأيي كمؤرخ فلسطيني


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

قد يرى البعض أن دخول تركيا العثمانية الحرب العظمى، أحد أهم الأسباب في ضياع فلسطين، وقد يرى البعض الآخرأن السبب الأكبر صدور وعد بلفور وتضمينه في صك الانتداب وتكريس بريطانيا انتدابها على فلسطين لتنفيذه على أرض الواقع. وهناك من يرى أن  النزاع على الزعامة بين العائلات والحواميل الفلسطينية الكبرى، خاصة في القدس، والتي تهادنت في الغالب مع حكومة الانتداب لعبت دورًا لا يقل أهمية في الكارثة التي ألمت بالشعب الفلسطيني منذ أكثر من مائة عام.

بالطبع لا يمكن التقليل من أهمية هذه الأسباب، لكن هناك الكثير من الأسباب الأخرى التي ساهمت في حالة الضياع الذي نعيشه الآن عد التراجع الكبير للقضية الفلسطينية في غياب القيادة والبندقية والاستراتيجية.

والحقيقية المرة إن الحركة الوطنية الفلسطينية منذ البداية ارتكبت العديد من الأخطاء المميتة التي أدت إلى ما وصلت إليه أوضاعنا الآن من تردي. من ذلك، اتخاذها موقف سلبي إزاء باعة الأراضي الفلسطينية من كبار الملاكين السوريين واللبنانيين، وأيضًا بعض الفلسطينيين، ولو نفذت حكم الإعدام في أول من باع الأرض لما أدى ذلك إلى هزيمتنا الأولى التي وفرت المستوطنات لقطعان اليهود، وشردت في ذات الوقت   آلاف الأسر الفلسطينية.

الحقيقة المرة الأخرى تتمثل في خضوع الحركة الوطنية الفلسطينية منذ بداية انطلاقتها في عشرينيات القرن الماضي  للمسكنات العربية وغير العربية: صدور أكثر من كتاب أبيض، والموافقة على إنهاء الثورة الكبرى كمثال.. وقد استمر هذا النهج – مع الأسف الشديد- حتى الآن.

خطأ آخر جسيم تمثل في تدخل الجيوش العربية في حرب 48، فرغم العدد الكبير (7 جيوش)، إلا أن عدد العصابات الصهيونية كان أكبر، ونوعية تسليحها أفضل، إلى جانب الدعم الأمريكي الكبير للصهاينة في تلك الحرب، والذي أوضحه ستيفن جرين في كتابه "الانحياز"، حيث كانت أمريكا تشحن الطائرات الحربية مفككة إلى البقاع اللبناني ليتم تركيبها هناك ثم يقوم طيارون أمريكيون يهود بالإغارة من البقاع على القوات العربية، والمدن والقرى والبلدات الفلسطينية. إلى جانب طلب الجيوش العربية من الفلسطينيين تسليم أسلحتهم حتى يتولوا هم المهمة، وأيضًا فضيحة الأسلحة الفاسدة، للجيش المصري، ومهمة إسناد القيادة العامة للجيوش العربية إلى البريطاني الجنرال جلوب باشا الذي قام بدوره بتسليم اللد والرملة لليهود، وعدم تقدم القوات العراقية للحفاظ على المثلث (نابلس – طولكرم – جنين) الذي كان تحت مسؤوليتها وترديد قائد تلك القوات بشكل مستمر عندما كان يسأل عن عدم التحرك: "ما كو أوامر"،  واستغلال إسرائيل لتدخل تلك الجيوش السبعة دعائيًا كرسالة للعالم بأن العرب يريدون إبادة اليهود على نسق الهولوكوست النازي.

أما الخطأ الذي لا يغتفر فهو النزوح الكبير للفلسطينيين عام 48، وهو ما يطرح السؤال: ماذا فعلت إسرائيل لمن اختاروا البقاء ورفضوا مغادرة الأرض؟ لا شىء: لكن في رأي  هؤلاء – الذين اختاروا البقاء أو الفناء- هم المناضلون الحقيقيون.

في رأي أيضًا أن الانقسام الفلسطيني بدأ مع بداية الخمسينيات مع قيام حكومة عموم فلسطين وضم الضفة  الغربية للأردن. وحيث أن القطاع كان تحت الحكم الإداري والعسكري المصري حتى العام 67، وكذا الضفة كانت تحت الحكم الهاشمي (الاثنين كأمانة)، فكان ينبغي أن تقوم مصر والأردن بالمطالبة بتلك الأراضي التي كانت تحت سيطرتهما.

كما لابد من التذكير، بأن من مساوىء إنشاء "م.ت.ف" تحويل الصراع في المنطقة من نزاع عربي - إسرائيلي، إلى نزاع فلسطيني – إسرائيلي، وهو ما أتاح لإسرائيل الانفراد بالفلسطينيين.

وقد لعبت مفاوضات "كامب ديفيد" و"أوسلو" الفصل الأخير في الإجهاز على أمل التحرير والعودة، على الأقل خلال هذا العقد، وربما العقد المقبل أيضًا، فقد خرجت مصر من معادلة الصراع (باعتبار حرب 73 آخر الحروب)، ووجهت أوسلو طعنة مميتة للمقاومة الفلسطينية المسلحة، فيما وفرت الأمن والاستقرار لإسرائيل.

هناك بالطبع أسباب أخرى، لم يستح التاريخ في سردها مستقبلاً، لكن انتهينا في هذه المرحلة من تاريخنا المأساوي،  بأن أصبحت ثوابتنا - التي تتمثل في خريطتنا التي تتوسطها عاصمتنا الأبدية القدس، والتي ما زلنا نزين بها بيوتنا، وفي شعار "فتح" الذي ما نزال نرفعه ونستظل به (البندقية)- مجرد شعارات.. وأستطيع القول في الختام  إننا كنا دائمًا - كشعب فلسطيني - نستحق قيادة أفضل.. وكنا دائمًا في حاجة للتوافق وللمصالحة مع أنفسنا.. فما زلنا الشعب الأكثر بغضًا لبعضنا البعض على مستوى العالم، وهي سوءتنا الكبرى وخطيئتنا الكبرى..!

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com