2018-03-14

مسرح بلدية رام الله.. مسرح بلدية فيلادلفيا


بقلم: ناجح شاهين

كان هناك حفل استقبال/ تكريم لبندر بن سلطان أحد أعمدة السياسة السعودية في العقدين الماضيين. تجمع السعوديون من طلبة وسياح ورجال أعمال إضافة إلى بعض الفضوليين العرب من أمثالي. تحدثت عريفة الحفل معددة مناقب الرجل، منددة في الوقت نفسه بالعرب والسعوديين لأنهم منبع الإرهاب والتخلف والاستبداد واضطهاد المرأة وانتهاك حقوق الإنسان، حتى أنني أغرقت في الضحك بصوت مرتفع على نحو ينتهك قواعد الآداب والسلوك في مثل هذه المناسبات.

طلب مني بعض الإخوة السعوديين أن أخبرهم عن سبب موجة الضحك التي اجتاحتني. كانوا لا يعرفون الإنجليزية وعلى الرغم من أن "الاستقبال" مكرس من أجل "زعيم" سعودي إلا أن كل شيء تم بالطبع باللغة الإنجليزية. لكن ما حز في نفس عجوز سعودي طيب هو أنهم لم يحسبوا حساب الترجمة إلى العربية على الرغم من إمكانياتهم الهائلة ووجود الكثير من المترجمين المتمرسين الذين طوروا مهنتهم بفضل العمل في خدمة المخابرات الأمريكية في العراق. ليس من أهمية لعشرات السعوديين والعرب الذين كانوا يحتلون مساحة تقترب من نصف عدد المقاعد في حفل استقبال الغني عن الذكر وصاحب الخدمات الجليلة للولايات المتحدة في بلاط فهد وعبد الله وغيرهما. ومن لا يعرف الإنجليزية لم يكن من الضروري بمكان أن يأتي إلى هذا المكان خصوصاً أن الأمير بندر تحدث بإنجليزية فصيحة تشوبها لكنة أمريكية جميلة، ولم يكن ينقصه إلا القليل جداً لكي يبدو مواطناً أمريكياً ملوناً.

يوم أمس كان هناك حفل "فني ساهر" على مسرح بلدية رام الله. قالت لي صغيرتي "اوروك" السمراء عازفة العود المشاكسة: "الحفل مش عادي يا بابا، حكوا لنا، في ضيوف مهمين، علشان هيك العرافة بالإنجليزي."

هكذا تنحدر الكرامة والعزة والثقة بالنفس وقيمة الأمة ولغتها إلى أسفل سافلين. هكذا يرضع الطفل المهانة وعقدة الآخر الأوروبي أو الأمريكي الذي نغدو أمامه مثل المهرجين في السيرك، نطلب رضاه وخز يمرر يده على ظهرنا أو رقبتنا مثلما يضعها على ظهر قطته أو كلبه معبراً عن الرعاية والحماية والحنان.

أعرف أنكم تعرفون ذلك كله. وأعرف أن قسماً منا سيقول إننا محتاجون لهم، لذلك علينا أن نحني رؤوسنا كي نحصل منهم على المال والمنح والهبات. وهناك قسم آخر منا سيظل يزعم بأننا في حاجة إلى ممارسة اللغة الإنجليزية لأنها لغة العلم والمعرفة ..الخ.

بالطبع هم يسرقون المال والأرض العربية، والفلسطينية على رأسها، ثم يلقون لنا بالفتات ويتظاهرون بأنهم ولي نعمتنا. ما أكرمهم، ما أخبثهم، وما أجبننا، وما أغبانا.

أود أن أختم بالقول إن هناك تشابهاً جوهرياً بين حفل بلدية فيلادلفيا/بنسلفانيا وحفل رام الله/فلسطين: في المكانين تم استخدام اللغة الإنجليزية ولم يكن هناك ترجمة إلى العربية. وقد اضطررت في رام الله أن أترجم لعجوز طيبة لا تعرف الإنجليزية مثلما فعلت في فيلادلفيا مع العجوز السعودي.

لكن لا بأس، "سيقوم من المحنة أكثر عافية وطني بجراحاته النازفة".

وهذا الذي أكتب وأقول ليس مهماً كثيراً "ما دمنا ننبض والأفضلون يحملون السلاح".

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com