2018-03-06

محكمة عليا إسرائيلية تخطت الحدود والآفاق..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

ابتلي الشعب العربي الفلسطيني عقب هزيمة حزيران عام 1967 باحتلال قضائي إسرائيلي هيمن على مقدراته القانونية وبرّر أوامره العسكرية. وكأنه لم يكفنا الإحتلال العسكري الإسرائيلي والإقتصادي والأمني والشرطي الذي طال كل الصعد، بل شرّعته وشرّعت إجراءاته الباطلة ما يسمى بالمحكمة العليا الإسرائيلية، فضربت عليه نطاقا من المشروعية المزعومة. وغدا التوجه إليها مضيعة للوقت ولعب في الوقت الضائع.

الأمر المستغرب أن أعلى محكمة في إسرائيل تغدو أداة في يد السلطة التنفيذية الإحتلالية، بل مؤيدا وضامنا لجميع إجراءاتها التي تنافي أبسط قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان. هذه المحكمة العليا التي يفترض أنها ضامنة الحقوق والحريات العامة وحقوق الإنسان للفرد، وانها الملاذ الأخير للمواطن الضعيف، ورادة عسف السلطة التنفيذية تجاه الأفراد المسالمين والبسطاء، غدت ضامنة لتصرفات قوات الإحتلال وشرطته بل ومستوطنيه. وكأن اصحاب القوة المدججة باحدث أنواع الأسلحة، والمزودين بأحدث التشريعات المنحرفة، والمرتكبين لجرائم الحرب، ينقصهم هيئة قضائية تنصفهم.

يا ليت هذه المحكمة التي تسمى عليا بقي اختصاصها داخل إسرائيل، كما ورد في قانونها، ولم تمد اختصاصها خارج حدودها، ولم تتدخل في شئوننا وأمورنا. لأن بلاء وشرا مستطيرا أصاب الفلسطينيين المقدسيين وغير المقدسيين، قد نتج عن مدّ هذا الإختصاص غير القانوني كما اصاب عرب الداخل في بداية الخمسينيات حينما أخذت هذه المحكمة بنظرية الأمن الإسرائيلية واعتمدتها في مواجهة حقوقهم الطبيعية الأصلية. ولكنه كان امرا مخططا له لإفراغ الفلسطينيين من حقوقهم، عبر غطاء قانوني مزعوم، مرفق بإجراءات قضائية علنية ومحاكمات شكلية، لذر الرماد في العيون.

بدأت المأساة الفلسطينية المقدسية، حينما أقرت هذه المحكمة الإحتلال الإسرائيلي، ولم تعتبره احتلالا  بل اعتبرته توحيدا لشطري المدينة الشرقي والغربي، وقررت تطبيق القانون الإسرائيلي على شقها الشرقي . لو كان الأمر كذلك لاختلف الأمر، ولكنه كان ضما صريحا وباطلا. فاعتبرت المواطنين الفلسطينيين المقدسيين مقيمون وليسوا بمواطنين لأن هذا هو التوحيد بمعيارهم. وطبقوا علينا قانون الدخول لإسرائيل لعام 1953 المخصص للمهاجرين والعمال الوافدين. هذا أمر غير مقبول بالنسبة لمحكمة دنيا، أو محكمة موضوع، أو محكمة درجة أولى، فكيف بالنسبة لمحكمة تصف نفسها بأنها عليا. ألا تستطيع محكمة بحجم المحكمة العليا الإسرائيلية التمييز بين التوحيد والضم؟!

وتوغلت المأساة، حينما نصبت محكمة العدل العليا الإسرائيلية نفسها وصية على قرارات الحكم العسكري الإسرائيلي في الضفة والقطاع وأجازت الطعن بها أمامها في سابقة هي الأولى من حيث نوعها في العالم. وكان ذلك بناء على توصية من النائب العام الإسرائيلي آنذاك الليكودي المعروف" مئير شمغار" والذي كان مدعيا عاما عسكريا سابقا، ورأس المحكمة فيما بعد. وقامت منذ ذلك التاريخ باجترار قراراتها بحق عرب الداخل وطبقتها على فلسطينيي القدس والضفة والقطاع بل أسمتهما يهودا والسامرة لتثبت موضوعيتها وحياديتها..!

وبموجب هذا الإختصاص غير المسبوق وتبريره بالعدالة الزائفة، قررت محكمة العدل العليا الإسرائيلية تبني العقوبات الجماعية، وشرعية إبعاد المواطنين الفلسطينيين، وقانونية هدم منازلهم، وجواز سحب هوياتهم ونزع حق إقاماتهم، ورفض تسجيل مواليدهم، ووصل الأمر إلى منع دفن جثامينهم، بل استخدامها كمقابل في اية صفقة متوقعة بين حماس وقيادتهم، وصادروا الأراضي وبنوا المستوطنات ولم يعطوا اصحابها شقة واحدة عوضا عن أرضهم، وعقدوا البناء وتخطيطه وفرضوا رسوما خيالية وفرغوا الأرض واعتقلوا الأطفال. وذهبت المحكمة إلى التشكيك في المركز القانوني لأسرى الحرب الفلسطينيين واعتبرتهم مجرمين، رغم إضراباتهم المتواصلة عن الطعام الذي لم يشفع لهم بإلغاء أمر غير قانوني كالإعتقال الإداري.

محكمة العدل العليا الإسرائيلية جمّلت الوجه القبيح للإحتلال الإسرائيلي وشرّعت إجراءات الإحتلال الإسرائيلية الباطلة. وغدونا بل توهمنا، وكأننا أمام محاكمات عادلة وإجراءات موضوعية ومحاكم حيادية. وقد ساهم في ذلك الترويج والتسويق لهذه المحكمة، اناس من كل الجهات لم يعلموا الدور المناط به قضاؤها، أو نتيجة العجز الآني،أو الهزيمة الماثلة، أو لملء الجيوب  الفارغة، أو الأنانية المفرطة، أو التسرع الجاهل، أو إضراب المحامين، أو نصرا سريعا متمثلا في تدبير احترازي مؤقت، أو وقف إجراء عاجل.

كنا صيدا ثمينا، روجت له مقولة العدالة الإسرائيلية فخدرنا برونقها وخدعنا بمظهرها المبهرج، ونسينا مضمونها ووظيفتها وسيرتها عبر أكثر من سبعة عقود أو على الأقل في العقود الخمسة الأخيرة. وحتى يكون حديثنا موضوعيا، لنأخذ موضوع الجدار كموضوع نزاع، وكيفية معالجته من هيئتين قضائيتين مختلفتين واحدة قابعة في لاهاي تمثل فكر العالم القانوني المتحضر، ومؤلفة من خمسة عشر قاضيا دوليا من جنسيات مختلفة وقرارها الصادر في عام 2004، ومحكمة العدل العليا الإسرائيلية من قضاة شربوا حليب الصهيونية وحياديتهم المزعومة.

النتيجة واضحة لا تحتاج إلى نقاش، فلا قرار واحد من عشرات القضايا يؤيد حقا مدنيا اساسيا فلسطينيا على مدى عشرات السنين، بل هناك الكثير من الدراسات التي تؤكد هذه الحقيقة المرة. والغريب ان هذه المحكمة لا تتوقف عن إصدار القرارات المطولة التي تستغرق عشرات الصفحات للرد على مبادىء العدالة والقانون الطبيعي وحقوق الإنسان وتخالف فيها ثقات القانونيين في العالم ولجان حقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. بل في موقف غريب منها، هي تضع وتصنع الحل غير القانوني بيد السلطة التنفيذية الإسرائيلية وأجهزة الأمن الإسرائيلية، لتسن تشريعات تخولها إلغاء حقوق الفلسطيني البسيط الإنسان بينما تجمد قرارها لستة أشهر ريثما يصدر التشريع الجديد. وهي التي يجب أن تكون كافلة لهذا الحق القانوني الإشرافي وراعية له، من قبيل دورها القانوني المجرد، وإن كانت غير مقتنعة بهذه الحقوق الأساسية الإنسانية للفلسطينيين، والتي قبلتها عبر تصديقها على ميثاق الحقوق المدنية والسياسية في عام 1990، فلتعلن عدم اختصاصها بشأن الفلسطينيين، وأن لا ولاية لها على الحقوق الفلسطينية وتعود أدراجها إلى حيث اختصاصها داخل حدود الدولة الإسرائيلية وكفى الله المؤمنين شر القتال.

يجب ان يتوقف الفلسطينيون عن التوجه لمحكمة العدل العليا الإسرائلية في كل صغيرة وكبيرة، وأن يخضع الأمر لمقياس دقيق تعلو إيجابياته على سلبياته. وأن تقام لجنة مهنية تفحص الموضوع من جميع جوانبه، حيث تضع له القواعد والمبررات، وأن لا يترك الحبل على الغارب وسيلة للإغتناء او التفريط بالحقوق وما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com