2018-02-28

معركة الأقصى.. معركة القيامة.. بروفات لمعارك اكبر..!


بقلم: راسم عبيدات

واضح بأن الإحتلال في المعارك التي يفتحها ويخوضها ضد وجودنا العربي الفلسطيني في المدينة المقدسة يراهن على ضعف إرادة الصمود والبقاء لدينا، ولذلك هو في كل معركة يخوضها ضدنا، يختبر هذه مدى قدرة هذه الإرادة على الصمود والمقاومة.. وعندما يهزم في معركة فإنه يستخلص الدروس والعبر من تلك المعركة، ويتراجع عن مخططاته مؤقتاً انتظاراً لمعركة قادمة تمكنه من تفريغ النصر من مضمونه، والإستعداد لشن معركة أشرس واكثر عنفاً وإرهاباً.. ومعركة فرض الضرائب على المؤسسات الكنسية أتت في ظرف أكثر خطورة لما كانت عليه معركة المجابهة والتصدي لإفشال وضع البوابات الألكترونية على أبواب المسجد الأقصى في تموز 2017، والتي اتت ضمن مشروع سياسي متدحرج يستهدف السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى.

معركة فرض الضرائب على المؤسسات الكنسية، أتت في ظل "تغول" و"توحش" صهيوني وشنه لحرب شاملة على شعبنا الفلسطيني عامة والمقدسي خاصة، حيث شكل قرار الرئيس المتطرف ترامب اعتبار القدس المحتلة عاصمة لدولة الإحتلال غطاء ومبرراً لهذا الإحتلال، لكي يقوم بسن الكثير من التشريعات والقوانين والقرارات التي تهود المدينة وتصفي الوجود العربي الفلسطيني فيها، متبعاً ذلك بخطوات عملية على الأرض.. والإحتلال الذي تراجع عن وضع البوابات الإلكترونية على بوابات المسجد الأقصى نتيجة لتوحد وصمود المقدسيين بكل مكوناتهم ومركباتهم سياسية وطنية دينية مجتمعية جماهيرية وشعبية، وجدنا أنه سعى لتفريغ الإنتصار المقدسي من مضمونه، حيث قام بشكل متدرج بنصب مئات الكاميرات الحساسة والمزودة بمجسات تجسسية، ليس خارج البلدة القديمة ومحيطها، وفي بوابة دمشق الشهيرة، بوابة الشهداء، والتي تتعرض لأشرس حملة احتلالية، من حيث عسكرتها ونصب المنصات واقامة الأبراج العسكرية وبناء الغرف في مدخلها، غرف يحتجز فيها الشبان والفتيات وتجري عملية التنكيل بهم وتفتشيهم بطرق مذلة ومهينة ومنتهكة لخصوصية الجسد ولكرامة الإنسان، والهدف تغيير الطابع التاريخي للمدخل واحكام سيطرة قوات الإحتلال واجهزتها عليه والتحكم في الكم البشري الداخل والخارج من المدينة، وبث الرعب والخوف في صفوف المقدسيين وزوار القدس وبلدتها القديمة، وبما يشل الحركة الإقتصادية التجارية والسياحية في المدينة، وجعل المسجد الأقصى مكشوفاً أمام المستوطنين، بإحجام اعداد كبيرة من المصلين من الوصول اليه عبر بوابة الذل والموت.

معركة الأقصى حسمتها الكتلة البشرية الواسعة والتواصل والإستمرارية والنشاطات الشعبية السلمية بالإعتصام لمدة اربعة عشر يومياً على أبواب المسجد الأقصى وفي ساحات المدينة، حيث حول المقدسيون سجاجيد صلواتهم الى شكل من أشكال المقاومة، كما ان وسائل الإعلام لعبت دوراً بارزاً في فضح وتعرية الإحتلال، ونشر الحقائق المغتالة على الملأ، وكذلك التوحد الميداني والشعبي والقيادى قاد الى تحقيق مثل هذا الإنتصار، في حين كانت العوامل الخارجية من انشطة وفعاليات ومؤتمرات ولقاءات وتظاهرات في البلدان العربية والإسلامية عاملاً مساعداً لا حاسماً في تحقيق هذا النصر.

اما معركة فرض الضرائب على المؤسسات الكنسية تحت حجج وذرائع أن لديها عقارات تستخدم لأغراض تجارية وليس دينية للصلاة والطقوس الدينية والتعليم المرتبط بالعبادة، وبالتالي فرض على 887 عقار كنسي ما يزيد عن 650 مليون شيكل وطلب من الكنائس الدفع بأثر رجعي منذ عام 2010، في مخالفة واضحة وصريحة لـ"الستاتيكو" المعمول به منذ زمن الدولة العثمانية (1757) والذي ينظم العلاقة بين الدولة المدنية والمؤسسات الكنسية، بما لا يفرض أية ضرائب على المؤسسات الدينية، وجاءت اتفاقية باريس (1856) واتفاقية برلين (1878) لتؤكد على ذلك، وكذلك لجنة تقصي الحقائق التي جاءت لفلسطين وقرار التقسيم اكدتا على خصوصية الوضع القائم وعدم المس بالأماكن الدينية، وأيضاً سلم مندوب دولة الإحتلال في الأمم المتحدة في  8/11/1946 رسالة  يؤكد فيها التزام حكومته بالوضع القائم للأماكن المقدسة وعدم المس بها، والإتفاقية الأساسية الثنائية بين الكرسي الرسولي ودولة الإحتلال عام 1993 تاكد على الإلتزام بالبند 4 (ا) الذي ينص على احترام الوضع التاريخي والقانوني للكنائس والأماكن الدينية.

ولكن حكومة الإحتلال الممعنة في التطرف والعنصرية وعدم الإعتراف بوجود وحقوق الآخر، وبأن قرار المتطرف ترامب، وحالة الإنهيار والتعفن التي يعانيها النظام الرسمي العربي، والذي جزء منه ليس بالبسيط "متهافت" على تطبيع علاقاته مع دولة الإحتلال بشكل علني ومشرعن، وضعف حالة الفلسطينية المنشطرة والمنقسمة على ذاتها، وإنشغال العالم عن القضية الفلسطينية بقضايا عربية وإقليمية اخرى، تمكنها من تهويد مشهد المدينة مكاناً وفضاءً ووجوداً وديانةً وتاريخاً وثقافةً وتراثاً وآثاراً.

ولذلك كان قرار بلدية الإحتلال والمستوى السياسي الإسرائيلي بفرض الضرائب على المؤسسات الكنسية، والهدف هنا واضح ممارسة التطهير العرقي والتفريغ للبلدة القديمة من الوجود العربي المسيحي، وخصوصاً بأن جزء من املاك الكنيسة العربية الأرثودكسية في القدس صفقة باب الخليل وبيت المعظمية وغيرها من العقارات الأخرى، قد جرى بيعها وتسريبها، أو تاجيرها لمدد طويلة جداً لجمعيات وشركات إستيطانية وتوراتية، من قبل البطاركة اليونان من ايرينوس الى ثيوفيوليس الثالث، وبالتالي فالتربة خصبة لإستكمال الإستيلاء والتطهير، فالضرائب الباهظة المفروضة على الكنائس  قد تجبرها إما على البيع، او استيلاء اسرائيل عليها وبيعها بالمزاد العلني، وفي كلا الحالتين تحقق الهدف الإسرائيلي بالتطهير العرقي للوجود العربي المسيحي.

وامام هذه الهجمة المسعورة اعلن بطاركة الروم واللاتين والأرمن عن اغلاق كنيسة القيامة يوم الأحد 25/2/2018 في وجه الزوار والحجاج والمصلين الى اشعار آخر، ومن بعد ثلاثة أيام تراجعت اسرائيل جزئياً عن قراراها، بحيث تجمد قرار تحصيل الضرائب من المؤسسات الكنسية، وليس الإلغاء، على ان يترافق ذلك مع تشكيل لجنة مهنية يقودها المتطرف تساحي هنغبي بمشاركة وزراء المالية والداخلية والخارجية ورئيس بلدية الإحتلال، للدخول في مفاوضات مع الكنائس لرسم خارطة طريق لكيفية تسديد الضرائب "الأرنونا" على المؤسسات الكنسية غير الدينية، وهذا بحد ذاته يشكل إنتصاراً لحكومة وبلدية الإحتلال، وتخلي عن حق شرعي و"طابو" منصوص عليه في الإتفاقيات الدولية، "الستاتيكو"  المعمول به منذ عام 1752، وهنا الخطورة ان تؤدي المفاوضات الى  إنهاء "الستاتيكو" الدولي وخلق "ستاتيكو" جديد، ولا ننسى بان فريق اسرائيل المهني للتفاوض مع الكنائس يرأسه المتطرف هنغبي الذي قاد مفاوضات الإعتراف بثوفيوليس بطركاً عام 2007، ولذلك كما قال الباحث والمحلل السياسي أليف صباغ نحذر من خطورة، بان طلب رؤساء الكنائس، وموافقة رئيس الحكومة، ان تبحث هذه اللجنة مع رؤساء الكنائس قضية العقارات التابعة للكنائس، التي بيعت لجهات إسرائيلية او ستباع في المستقبل، هو امر يثير القلق الى حد كبير، وعليه وجب التحذير من احتمال بيع عقارات جديدة مقابل سداد ديون سيتم الاتفاق على دفعها، عندها سيخرج رؤساء الكنائس "منتصرين"، أيضا، ومدعين بانهم دفعوا اقل بكثير مما طالبت به البلدية ولكنهم كانوا "مضطرين" الى بيع عقارات تابعة للكنيسة لسد الديون..!

اما النتيجة الأخطر لهذه المفاوضات، فتتمثل في خلق اتفاقيات جديدة، بديلة للاتفاقيات الدولية، بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي وبين رؤساء الكنائس، وهذه الاتفاقيات الجديدة لا بد ان تشمل او تعني اعترافا رسميا من قبل رؤساء الكنائس بالسيادة الإسرائيلية على القدس المحتلة، بما في ذلك الكنائس. وعليه اعتقد ان هذا الهدف كان قد وُضِع على جدول اعمال الحكومة الإسرائيلية بعد إعلان ترامب وهو احد الإجراءات المترتبة على اعلان ترامب لتجسيد السيادة الإسرائيلية على القدس المحتلة، وقد جاءت الفرصة لتحقيقه، وقد يلحق ذلك إجراءات مشابهة فيما يخص مؤسسات الأمم المتحدة.

المعارك القادمة على الأقصى والكنائس ستكون أشرس وأشد ضراوة، فالمحتل يريد أن يفرض سيادته الكاملة على المدينة بما فيها الأقصى والقيامة، وترجمة ما ورد في صفقة القرن الى حقائق على الأرض، ولذلك المطلوب الحذر والإنتباه الشديدين، فما يجري جداً خطير، وسنجد انفسنا اذا ما فقدنا البوصلة والإتجاه والوحدة امام حقائق ووقائع جديدة سيطرة اسرائيلية وسيادة كاملة على الأماكن الدينية تلغي مسؤولية الأوقاف وإدارته للأقصى، وكذلك تنزع الوصاية الأردنية عن الأماكن الدينية والمقدسات في مدينة القدس.

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com