2018-02-27

حرب إسرائيل على الكنائس..!


بقلم: عمر حلمي الغول

دولة الإستعمار الإسرائيلية تواصل شن حروبها على دور العبادة الإسلامية والمسيحية، لإشعال نيران الحروب الدينية بهدف حرف جوهر الصراع من سياسي إلى ديني. فلم توقف حروبها ضد المسجد الأقصى على الصعد المختلفة، ومازالت تواصل فرض أجندتها الإرهابية ومن الزاوية الدينية لفرض التقاسم الزماني والمكاني، كمقدمة لتدمير المسجد وبناء ما يسمى الهيكل الثالث على أنقاضه. وبذات القدر وبأساليب إجرامية أخرى واصلت دولة الإرهاب الإسرائيلية المنظم هجماتها وحروبها على الكنائس والأديرة المسيحية، فإعتدت على العديد منها عبر عملية كسر الأبواب، وتخريب داخل أروقتها، وكتابة الشعارات العنصرية المتطرفة، وآخرها ملاحقة الكنائس والمباني التابعة لها بفرض الضرائب عليها، لتضييق الخناق عليها، وعلى مؤسساتها التعليمية والكنسية وصولا لدفع البطاركة والقساوسة والأرشمنديت والرهبان لإغلاق ابواب الكنائس أمام المؤمنين من اتباعها.

مع ان المعروف تاريخيا أن السلطات الدولانية أعفت دور العبادة لمختلف الأديان من الضرائب، بغض النظر عن طبيعة الحكم القائم في هذة الدولة او تلك. وبالتالي الإرهاب الإسرائيلي الجديد بفرض الضرائب على الكنائس، يشكل خروجا على الأعراف الدولية الناظمة لعلاقة الدول مع دور العبادة، وفيها إستهتارا وقحا بمشاعر المؤمنين من أتباع الديانة المسيحية من الفلسطينيين واتباع القوميات والشعوب الأخرى. كما انها إشهارا لسيف الإستبداد الإسرائيلي في وجه القيادات الروحية المسييحية، وفي ذات الوقت إشعالا لنيران الحروب الدينية. الأمر الذي أثار ردود فعل فلسطينية وعربية وخاصة أردنية ولبنانية وعالمية تجاه الجريمة العنصرية الجديدة لبلدية نير بركات المستعمر الإسرائيلي، ودفع البطاركة والقساوسة في الكنائس المختلفة وخاصة كنيسة القيامة لإغلاق ابوابها أمام المؤمنين. مما أوقع الإسرائيليون في شر اعمالهم وإرهابهم، وعرى ظهورهم وعوراتهم أمام المليارات من اتباع الديانة المسيحية، وجعلهم يراجعوا أنفسهم وينزلوا عن الشجرة، التي صعدوا على قمتها.

نعم تحت ضغط  الشارع الفلسطيني والعربي والعالمي عموما ورجال الدين المسيحي من مختلف الطوائف والمذاهب تراجعت إسرائيل عن قرارها مؤقتا، وشكلت لجنة لدراسة التداعيات الناجمة عن قرارها الإرهابي الغبي، لإن القائمين على القرار لم يدركوا جيدا الأخطار الناجمة عنه سياسيا ودينيا وإقتصاديا وسياحيا. ونتاج قصر نظرهم، وعدوانيتهم تجاه اتباع الديانة المسيحية، ركزوا على الفائدة النفعية الضيقة، المتعلقة بجمع عشرات الملايين من الضرائب، وتجاهلوا أو أسقطوا من حساباتهم ردة الفعل المشروعة لرجال الدين المسيحيين ولكل ابناء الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية، وإعتقدوا أنهم سيستسلموا لمشيئتهم، ويذعنوا لإملاءات قرار بلدية القدس الإستعمارية، فجاء إغلاق ابواب كنيسة القيامة ردا غير متوقع، وهو ما يعني فقدان دولة الإستعمار الإسرائيلية لمئات الملايين من الدولارات سنويا نتاج السياحة الدينية، ليس هذا فحسب، بل أن القرار الإسرائيلي سينعكس سلبا على علاقة اتباع الكنائس المختلفة مع إسرائيل في دول العالم المختلفة وخاصة في دول المركز الأميركي والأوروبي. هذا بالإضافة لردود الفعل السياسية المتوالدة من تلك السياسة الرعناء، وكما اشير آنفا سيفاقم من حدة الصراع الديني عالميا، وليس في النطاق الفلسطيني الإسرائيلي.

التراجع الإسرائيلي عن القرار، هو تراجع مؤقت، وليس تراجعا نهائيا. لإن العقلية الإسرائيلية الإستعمارية المسكونة بالنزعات الإرهابية، وبالحروب ضد " الأغيار" من الفلسطينيين من اتباع الديانات والمعتقدات الأخرى، وبحكم الغرور والغطرسة، وتساوق الإدارة الاميركية معها وخاصة اتباع التيار المتطرف من الكنيسة الإنجليكانية، الذين يحاولوا بكل الوسائل الإجرامية تسريع حرب ياجوج ومجوج الدينية، فإنهم سيعودوا لمتابعة فرض القرار على الكنائس، ولو كانت البلدية ومعها حكومة الفاسد نتنياهو معنية بطي ملف الضرائب، لألغت القرار من أساسه، ولم تحله للدراسة من قبل لجنة مختصة.

وأي كانت طبيعة التوجه الإسرائيلي اللاحق بشأن قرار فرض الضرائب على الكنائس، فإنها في كل الأحوال أماطت اللثام عن وجهها القبيح، وأكدت بما لا يدع مجالا للشك، انها دولة مقامرة، وتعمل بشكل مدروس لتأجيج فتيل الحروب الدينية في المنطقة، ولكنها لن تتمكن من حرف الأنظار عن جوهر الصراع السياسي مع الشعب العربي الفلسطيني. ومعركة الكنائس لا تختلف عن معركة المسجد الأقصى، بل هي معارك وطنية بإمتياز، ولن تكتسي بالطابع الديني، حتى وإن حاولت دولة التطهير العرقي الإسرائيلية إلباسها هذا الثوب.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com