2018-02-26

ترامب المستبد وعباس الحَرِد - إستحقاقات القرن الكبرى للرد على صفقة القرن الكبرى..!


بقلم: أيمن نزال

"الصفقة الكبرى" أو ما أسماه المعلقون العرب بصفقة القرن، ما كان لهذه التسمية الخارجة عن المألوف في عالم السياسة أن تظهر لولا أن من يقف ورائها يأتي من خلفية المال والأعمال والصفقات. فقد درج الحديث بالسياسة والعلاقات الدولية عن حلول وحقوق و إتفاقيات وتفاهمات، لكن أن يتم الحديث عن "صفقة" تحدد مصير شعب وأرضه بتاريخهما وحاضرهما ومستقبلهما فهذه سابقة خطيرة وإستهتار بهذا الشعب وحقوقه وتضحياته.

إلا أن خلفية ترامب الإقتصادية توضح لنا الكثير عنه وهو القادم من عالم العقارات والصفقات المشبوهه والفاسدة والتي تكثر فيها المحاباة والمحسوبيات. وهو الذي شارك ببرنامج الواقع المسمى "The apprentice"  حيث يتنافس فريقين من الشباب على إنجاز مهام تجارية صغيرة يطلبها منهم فريق ترامب. وبعد كل مهمة يتوجه الفريقان إلى غرفة الإجتماعات ليجلسا وجهاً لوجه مع ترامب للنقاش الذي ينتهي بأن يطرد ترامب شخصاً من أحد الفريقين كان مسؤولاً عن إخفاق ما. الطرد المباشر، هواية ترامب المفضله مستخدماً أشهر كلمة في عالم الأعمال الأمريكي "أنت مطرود" "you are fired".
 
 وهذا ما مارسه ترامب مع فريقه الإداري في البيت الأبيض والدوائر الأمنية. فتصرفاته في المسلسل وفي الواقع متشابكة لدرجة تثير الجدل والريبة كثيراً. فلو أمعنا بأبعاد كلمة "أنت مطرود" وممارستها من ناحية تحليل الخطاب سواء في مسلسل ترامب الواقعي أو في واقع تسييره لشؤون دولته لوجدنا أنها تنم عن رغبة في إظهار فحش قوة وسلطة القائل في مقابل عوز وضعف المتلقي الذي لا يسعه إلا الإنصياع للأمر بإغتياله معنوياً ومهنياً وسياسياً وما يتبع ذلك من نتائج.

ولعل لغة جسد ترامب ولغة خطابه وتشابك الأدوار التي يحياها مابين مهنته السابقة كرجل أعمال ليس لديه وقت للهزل في إدارة إمبراطوريته ودوره في مسلسل الواقع حيث يشفي غليله ممن أهدر وقت الفريق والمال الممنوح بطرده علناً، بالإضافة لدوره الأن كرئيس "أعظم" دولة ويمتلك كما صرح بإستهتار أكبر وأقوى زر نووي بالعالم يخبرنا عن شخصية توصف بالاوتوقراطية أو المستبدة التي لا تقبل نقاشاً قبل أو بعد إصدار القرارات.

حتى أن ذلك يظهر جلياً في إختياره لمن يعمل معه. ولكن ليس لأعضاء فريقه المباشرين، حيث أنه تخلص من كل شخص قد يعارضه، بل بإختياره ممن يمثله. فمندوبة الولايات المتحدة بمجلس الأمن ذات شخصية فجة فظة وتتمتع بقدر كبير من العنجهية والوقاحة، وكأن ترامب يريد أن يكون من يمثله نسخةً عنه وإن كانت هذه النسخة أكثر تشوهاً فلابأس في ذلك. فقد خاطبت هايلي محمود عباس الغائب بأن "القرار صدر وقد تحبه وقد تكرهه إلا اننا لسنا بصدد نقاشه معك وعليك قبوله". هنا تتجلى وقاحة لغة الخطاب التي تنم عن فحش استغلال السلطة الأوتوقراطية والقوة في مقابل عوز وضعف المتلقي.

وبصرف النظر عن المرجعية الدينية التي أملت قرار ترامب بالإعتراف بالقدس كعاصمة لدولة الإحتلال وماتلاها من قرار نقل السفارة إلا أن القرار يفضح شيئاً من شخصية ترامب الأوتقراطيه المتبجحة بالقوة فقد رفض الكثير من النصائح بعدم الإقدام على هذه الخطوة الإستفزازية إلا أنه رفض الإصغاء. كذلك يبدو أن ترامب وإدارته لديهم قناعة أن الطرف الفلسطيني ضعيف وسيستجيب للإملاءات. وكذلك لإقتناعهم بأنه لاتوجد نفعية يمكن تحقيقها من التفاوض مع الطرف الفلسطيني الذي يقدم بالأساس خدمات مجانية للإحتلال دون قيد أو شرط.

فترامب يدير علاقات دولته الدولية ويدير المشهد الفلسطيني كرجل أعمال إنتهازي يسعى لإنجاز منفعة ما معتمداً على مبدأ النفعية "Transactionalism" ومن هنا نجد أنه دائما ما يربط الأمور بالمال. فهو لا يريد تقديم الدعم المالي للناتو دون أن تسدد المانيا ديونها ولا يريد أن يحمي دول الخليج دون أن تدفع بدل الحماية ويريد أن يبني جداراً مع المكسيك على نفقة المكسيك ولن يدعم الأونروا دون تنازل الفلسطينيين عن قضيتهم برمتها. فهو دائماً يبحث عن منفعة ثنائية. ولذلك فقد صيغت الصفقة بين الطرفين الإسرائيلي والأمريكي بما يحقق منفعة الطرفين. وكل ما على الطرف الفلسطيني فعله هو الحضور لغرفة الإجتماعات والجلوس وجهاً لوجه مع ترامب ليستمع للقرار. وإن لم يعجبه القرار فسيواجه الطرد العلني بإعلانه أنه ليس شريكاً بالحل السلمي ليبدأ البحث عن البديل الذي ينتظر في دبي.

يتوجب على السلطة الفلسطينية أو الطرف الفلسطيني بشكل أوسع أن يصوغ إستراتيجية للمواجهه. فالبكاء على منصات المحافل الدولية ومغادرة قاعات الإجتماعات والحرد ليست أكثر من عملية تسجيل موقف تبدو أنها موجهه لدغدغة مشاعر الفلسطينيين اكثر منها لأي جهة أخرى حيث أن ذاكرة المجتمع الدولي الضعيفة لن تسجل هذا الموقف لكونها أسيرة تحالفات أمريكية وصهيونية نفعية عدا عن كونها مهمشة فيما يتعلق بدورها في القضية الفلسطينية. ولن يجدي نفعاً على أرض الواقع في منع تصفية القضية. على الفلسطينيين أن يخوضوا هذه المحنة لوحدهم خصوصاً وأن أطرافاً عربية تدفع نحو هذه التصفية لعلها تكسب موقفاً من دولة الإحتلال في مواجهة إيران، بعد أن تحولت الأخيرة لعدو بدلاً من الكيان الصهيوني.

وبالنهاية كما وضع ترامب العالم والسلطة الفلسطينية تحديداً أمام إستحقاقات القرار والذي هو أول إرهاصات الصفقة الكبرى فعلى السلطة أن ترتقي لمستوى موقف وطني شريف وأن تصوغ إستراتيجيتها بناءً على تحالف فصائلي واسع يعلي مصلحة فلسطين فوق كل شيء لتضع بذلك ترامب وإسرائيل والعالم أمام الإستحقاقات الكبرى.

* كاتب فلسطيني. - aiman.nazaal@hotmail.com