2018-02-23

هل يسقط وعد الشهيد؟


بقلم: د. أحمد جميل عزم

كتبتُ في الماضي مرات في ذكرى شهداء عيد الحب، شهداء 14 شباط (فبراير) 1988، الذين اغتالهم الإسرائيليون بسيارة متفجرة، في ليماسول في قبرص؛ محمد بحيص (أبو حسن قاسم)، باسم التميمي (حمدي)، ومروان كيالي، وكانوا مسؤولين عن الكثير من العمل الفدائي الفلسطيني. وربما يرى البعض تكرار الكتابة في الشأن غير مبرر، ولكن من جهة أخرى، من اللائق، بل والمطلوب، أن يعلم القارئ كيف تتفاعل موضوعات وتطور.

شخصياً لم أعرف أياً من الشهداء شخصياً، ولا أتذكر خبر الاستشهاد. ولم أكن أعرف أحداً من رفاقهم وأصدقائهم من المناضلين، لكني أتشرف الآن بصداقة عدد  كبير منهم، وبأنهم يكرمونني بدعوتي لمناسباتهم ولقاءاتهم، وقد تقاعد غالبيتهم.

كثير من قصص الشهداء لا تنتهي، بل تنمو وتكبر.

ربما لولا استشهاد الثلاثة، لما نالوا ذات الاهتمام البحثي والكتابي، دون أن يقلل هذا أبداً من مكانتهم. ولكن هنا أسباب أخرى للاهتمام بهم، أولها، أن وسطهم كان يعجُ بالكٌتّاب والمثقفين ممن وثّقوا التجربة، ولكن الأهم أيضاً فرادة تجربتهم فكرياً. وهذا العام، مثلا أفرج الباحث الشاب ساري عرابي، عن خاطرة قصيرة، من رسالة الماجستير التي كتبها عن تيار الشهداء، الذي يُعرف بالسرية الطلابية (كتيبة الجرمق لاحقاً) في حركة "فتح"، وَوصفهم بالماركسيين الصوفيين، في إشارة لتحولهم من الفكر اليساري الماوي، المناوئ إلى حد ما للتيار الماركسي في "فتح"، وصولا بهم، وبجزء من التيار، إلى الفكر الإسلامي نهاية السبعينيات، وتأسيسهم حركة "سرايا الجهاد الإسلامي"، التي لم تكن جزءا من "فتح" ولم تكن خارجها. كان الشهداء وتيارهم تجسيدا للفكرة الوطنية التي يتبناها عقائديون. وهذ فكرة معقدة تحتاج لمزيد من البحث.

لكن قصص الشهداء أيضاً تبقى تتفاعل في المستوى الشخصي والاجتماعي.

هذا العام أيضاً، هو الذكرى الثلاثون لاغتيال خليل الوزير (أبو جهاد). وكنتُ قبل أيام أسأل المناضلة انتصار الوزير، أم جهاد، عن شهيد آخر، هو كمال عدوان، الذي اغتاله الإسرائيليون عام 1973، بعملية أسموها "ربيع الشباب". أخبرتني أنّه بمجرد بدء الهجوم في تونس، صرخت وهي تتحدث لأبي جهاد، الذي كان يحمل مسدسه متأهباً للدفاع عن نفسه، بكلمة "فردان"، في إشارة لمكان اغتيال عدوان وأبو يوسف النجار وكمال ناصر، في بيروت. وأنها وهي تحتضن ابنتها حنان عقب الاغتيال، قالت لها، "ماما أبوكِ شهيد، دانا لا تعرف أباها، إنتِ تعرفينه"، في إشارة لابنة الشهيد عدوان. كان ذلك أول ما خطر ببالها.
سيبقى ما يعرفه الأبناء عن والدهم الشهيد قضية لا تنتهي.

في المستوى الشخصي، يضيف، عمر، نجل الشهيد أبو حسن، بعداً جديداً، فقد ذهب هذا العام إلى موقع الاستشهاد، في ليماسول، ولم يتحدث كثيراً عن ما وجده هناك، بل فتح خزانة الذكريات، وربما، أيضاً خزانة عدم الذكريات. فهو يستجمع ما لديه من ذكريات عن والده في الحياة المبكرة، ليجدها مشاهد معدودة، لكنه يتذكر أن والده وليمضي وقتاً مع أبنائه كان يصحبهم لقلعة شقيف، والمعسكرات، ومكاتب التنظيم، وفي الأعياد لمقابر وعائلات الشهداء. ولا يذكر سوى نحو أربع سنوات من الحياة شبه الطبيعية، التي قضتها العائلة في عمّان بين عامي 1982- 1986. ليختفي الأب فجأة، ويتعب الابن من محاولته فهم الهمس الدائر حوله، ولم يقتنع بزعم المحيطين، أن والده سافر؛ فلماذا لا يحدثنا هاتفياً على الأقل؟ وتظاهر أنه لم يسمع أمه تقول له أخيرا إن أبوه "طلع" ثم تسحب الكلمة، ليكتشف في صيف  1987 أن والده خرج من المعتقل في سورية، وذهب وشقيقه ورآه هناك. وفي الشتاء ذهب مع شقيقيه إلى وتونس. ويروي كيف بكى كثيراً وودعه أبوه عشرات المرات، في المطار، وحاول أن يعود من الطائرة، ووالده يطمئنه أنه سيرتب انتقال العائلة لتونس، وبكى هو طوال الطريق إلى عمّان.

عندما عاد في يوم الاغتيال، للبيت ووجد جموع الناس هناك، أدخلتهم أمهم غرفة النوم، وقالت له ولشقيقه، "أريدكم رجالاً أبوكم استشهد". ليكون ردّه السريع الذي لم يتخفف منه حتى اليوم "لكنه وعد".

قصص كثير من الشهداء لا تموت وتبقى ذات أثر في محيطها. وتبقى وعودهم ديناً.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com